ماسبيرو.. خيانة غير مشروعة
يتمدد الحزن وتتسع الكآبة وتندهني ذكريات الماضي كلما دعيت لأحد استديوهات ماسبيرو، لقد أصبح المبنى خاليًا من المعنى، حزينًا، صامتًا بعد عقود من الثورة الإعلامية التي قادت أمة بأكملها في قضايا التحرير والهوية والثقافة والفن وكل مظاهر العظمة المصرية.
إضاءة خافتة، ظلام يلف المكان، هدوء ميت بلا نبض، كل المظاهر توحي بأننا نقف على شاهد لقتيل قُتل أو يُقتل عمدًا، جباه الناس تعلوها مسحة من الذل، عيونهم جاحظة كغريق استسلم للمجهول، الاستديوهات بلا مقاعد، أدوات الإضاءة عفا عليها الزمن، كاميرات من زمن فات، رائحة الموت تسكن الجدران.
يقتات العاملون في هذا المبنى العريق رواتبهم الضئيلة كمن يتسول على قارعة الطريق، ينتظر، السائرون إلى التقاعد تنتظرهم كارثة الجوع والمرض والموت كمدًا، أما الذين خرجوا فإن الحكومة تعاملهم كخيل يجب أن يبحث لنفسه عن طريقة للانتحار.
ما يتعرض له المنتمون إلى هذا المبنى وإلى هذا التاريخ هو خيانة ممنهجة، لا يمكن لإنسان أن يتصور أن تليفزيون بلاده وإذاعة وطنه بكل تاريخهما العريق يتعرضان للتصفية المهينة، لمؤامرة لا نعفي المسؤولين الرسميين عنها بدءًا من رئيس الهيئة الوطنية للإعلام وصولًا إلى رئيس الحكومة.
ولعل من محاسن القول أن نذكر الدكتور مصطفى مدبولي، وهو من مواليد منتصف الستينيات، أنه منذ عشرين عامًا أو ثلاثين عامًا كان مثل غيره إذا مر بهذا المبنى العريق يحلم بزيارة أو يفتخر بصورة بجوار جدرانه العفية، القوية، المضيئة، مضى الزمان ودارت الأيام ليصبح رئيسًا لحكومة تغتال كل ما تبقى فيه من عبق التاريخ ومفاخر الريادة.
وسؤالي للسيد رئيس الوزراء: هل تتابع أنات وصرخات سادة الإعلام العربي وهم يشكون حسرة الإهمال ومرارة الحاجة وكسرة العوز وقد أُحيلوا للتقاعد منذ ست سنوات، مات منهم من مات، ويعيش بعضهم محاصرين بين المرض والفاقة والفقر؟
هل تعلم يا دكتور مدبولي أن ما يجري وجرى مع العاملين في هذا الصرح العظيم، يخالف كل الأعراف والقوانين والقيم؟ هل تعلم سيادتكم أنه لأول مرة في تاريخ مصر أن يخرج موظف على المعاش ولا يحصل على أمواله وحقوقه التي دفعها من عمره وعرقه وخبراته؟
ورحمة بكم يا دولة الرئيس لن أعرض عليك أصواتًا لزملاء كانوا نجومًا في سماء الوطن العربي كله أصبحوا الآن يتمنون الموت هربًا من سؤال لئيم وطمعًا في راحة لا يحققها إلا الموت، ولجوءًا إلى مساحات من الراحة بعد أن أعياهم السؤال واغتالتهم أيادٍ آثمة.





