رئيس التحرير
عصام كامل

إسرائيل.. عدونا وعدوكم

18 حجم الخط

لو اطلعنا على حجم الإنفاق الذي تسخره دول وأجهزة للتأثير على الجماهير من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، لأدركنا عن يقين حجم المؤامرة التي تحاك ضد هذه الأمة، ولو اطلعنا على حجم الانغماس العربي في مواقع الإعلام الاجتماعي لاكتشفنا كيف يمكن إدارة هذا الوطن الكبير من خارج حدوده.

مَن يتابع مساحات التنابز والتناحر بين شعوب الأمة العربية، يعتقد أن هذا الوطن الكبير لا تجمعه لغة، ولا تشمله ديانات سماوية، ولا يبارح نفس الساحة التي غادرها الاستعمار بكل أشكاله وصنوفه وألاعيبه، ذهب الاستعمار وترك فينا كل مقومات الفرقة والتشرذم والخلاف، وضع حدودًا وترك نتواءات جغرافية لا تزال تنغص الحياة بيننا.

ترك فينا الجهل، وزرع فينا الأمراض، وتركنا نحن كل مقومات العلاج والحوار والتفاهم، واستسلمنا لكل النعرات التي غاصت في أعماقنا، فأصبحنا كما لو كنا أعداء، يعاير بعضنا بعضًا، ويتنمر بعضنا على بعض، ونخاطب غرائز الأنا، ويصنف بعضنا بعضًا.

ساحة المعركة كان واجبًا أن تنصب على عدو يخلق الفوضى منذ وصوله إلى أرضنا واحتلالها وغصبها، واغتصاب إرادتنا، لكن بدلًا من ذلك أدرنا معارك طاحنة فيما بيننا، وطفت على السطح حوارات السذج والبلهاء والأغبياء والحمقى، كأن الوطن الكبير قد خلا من مفكريه وكُتَّابه ومنظريه وقادته وسياسييه.

حسابات خارج الحدود تشعل النار، وتتركنا نتسلى على قيمنا ونتنابز فيما بيننا، وتجلس هي منا مجالس الذين أوقدوا نارًا، وتركوا أهل الدار يصبون عليها النار لتزداد، وتطال تاريخنا وقيمنا وكل عناصر الوحدة بيننا، يخرج من أصلابنا كُتَّاب كنا نحسبهم كُتَّابا، ومفكرون كنا نظنهم مفكرين، وقادة كنا نتوهم أنهم قادة، ليمارسوا العادة الذميمة نفسها، ويغرقون في المستنقع نفسه.

أصل الحكاية التي لا يجب أن نفقد ملامحها أن عدوًّا غاصبًا سرق الأرض، وقتل النسل، وعاث في بلادنا فسادًا وقتلًا، وحرقًا، ونحن نقدم له كل يوم مادة خصبة ليكمل مسيرته، أصل القصة أن الخليج كان هادئًا وادعًا بين أهله وناسه، مستقرًّا، متطورًا، يحاول تقديم خريطته نموذجًا للهدوء والبناء والرفاهية والإنسانية.

هذا العدو لا يجهله قاصٍ، ولا تختلط ملامحه على دانٍ، عدو واحد لنا جميعًا، جاء بليل يقصف الناس والشجر والحجر، يقتل تلاميذ المدارس، ويفجر المستشفيات ويدمر الجسور ويهدم الجامعات، ويعلن من قمة مدافعه أنه جاء للاستيلاء على بترول إيران، ويزلزل استقرار الخليج، ويشعل نارًا لو نجح فيها، لعشنا ألف سنة في عراك وقتل وتدمير.

هذا العدو لم يكن من الخليج، ولم يكن يومًا قلبه على مصالح الخليج، وليس له بيننا ناقة ولا جمل، إلا الطمع في مقدرات بلادنا وخيرات أرضنا، واستقرار عيشنا، جاء بليل وهو ينوى إعادة النموذج الاستعماري كما كان، وبنفس الطريقة وبذات الحجج.

وما كان منا إلا أن تركنا العدو، وتفرغنا لمعارك بيننا، يستوى فينا الكبير والصغير والمثقف والجاهل، والقارئ والأمي حتى تكاد لا تعرف الفرق بين الكُتَّاب وصبيان الفيس بوك، ولا الفارق بين المثقفين والمتنطعين على تويتر، وعلى الملأ طفت على السطح جماعة من المحللين، جل مواهبهم قراءة كتاب ألف باء الاستراتيجيات.

غدًا أو بعد غدٍ ستنتهي الحرب، ولكن ما أظهرته فينا باقٍ، وما كشفته من مواطن الضعف فينا باقٍ، وما عرته من نفوس ضعيفة وقلوب مريضة سيظل هو الداء الكامن، ولن تمحوه إلا طفرات في الحوار والتعليم والتقدم الحقيقي، والانغماس فيما يمكن أن يعيد اللحمة والفطرة والتاريخ والحضارة إلى مواقعها الأصلية.

ليست مشكلة الأمة العربية في سلاحها ولا في جيوشها، مشكلتنا تكمن في جهلنا وتضخم ذواتنا بلا مبرر، وضياعنا الحضاري وإحساسنا الدفين بالدونية، والذي تترجمه حالات التضخم غير الطبيعية، مشكلتنا في مدارسنا ونظمنا التعليمية وقبولنا للخلاف واعتزازنا بالاختلاف.

مشكلة هذا الوطن في تنامي ظاهرة النخبة الخاضعة لرؤية الجماهير، مشكلتنا في غياب المصلح الذي يمكن أن نجتمع حوله، مصلح يسبر أغوار النفس العربية المتدهورة، ويعريها ويلامس مناطق الضعف فيها من دون مجاملة أو خنوع، أو خضوع لرؤية أغلبية يتحكم فيها الجهل وتسكنها الأمراض النفسية.

الجريدة الرسمية
عاجل