حقوق لا تسقط بالتقادم!
العاقل لا ينتظر اقتراب الموت حتى يستعد، بل يجعل كل يومٍ من أيامه زادًا لآخرته، فيُصلح ما بينه وبين الله، ويُصلح ما بينه وبين الناس، ويكثر من العمل الصالح، ويجتنب الظلم، ويحرص على أن يلقى ربه وقلبه سليم وذمته بريئة. فالنجاة ليست كلمة تُقال، ولا أمنية تُرجى، وإنما هي طريق من الإيمان والطاعة والاستقامة، يسير فيه المؤمن وهو يعلم أن ما بعد الموت حق، وأن القبر أول منازل الآخرة.
وإذا كان الناس يوم القيامة يعبرون الصراط على قدر أعمالهم، فإن أخطر ما يواجه العبد هناك حقوق العباد ومظالم الخلق. فقد يلقى الإنسان ربَّه بصلاةٍ وصيامٍ وصدقات، ثم يجد حسناته تتساقط بين أيدي خصومه لأنه ظلم هذا، أو اغتاب ذاك، أو أكل مال غيره بغير حق.
لذلك كانت التوبة الصادقة وردُّ الحقوق إلى أصحابها من أعظم أسباب النجاة، وكان العدل مع الناس بابًا من أبواب السلامة في الدنيا والآخرة.
ومن رحمة الله بعباده أن جعل لهم أسبابًا يُرجى بها النجاة من عذاب القبر والتخفيف من أهواله، وجاءت النصوص الشرعية مبشرةً بطوائف من المؤمنين نالوا هذه المنزلة بما قدموه من إيمانٍ وصبرٍ وعمل صالح. فالمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء، يخاف ذنوبه وتقصيره، ويرجو رحمة ربه وفضله، ويعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ومن هؤلاء المبطون الذي يموت بداءٍ في بطنه صابرًا محتسبًا، فقد جعل الله المرض للمؤمن تطهيرًا ورفعةً للدرجات، وجعل الصبر عليه بابًا من أبواب الأجر العظيم. كما وردت الفضائل في حق من داوم على قراءة سورة الملك، فهي سورة عظيمة ارتبطت في الأحاديث بالشفاعة لصاحبها والذبِّ عنه.
ووردت كذلك أحاديث في فضل من مات يوم الجمعة أو ليلتها، وإن كان أهل العلم قد اختلفوا في درجة صحتها، إلا أنها تبقى من النصوص التي تبعث الرجاء في رحمة الله وكرمه.
غير أن المؤمن الصادق لا يعلق قلبه بزمان الموت أو مكانه بقدر ما يعلق قلبه بحسن العمل وخاتمة العمر. فالعبرة ليست أين يموت الإنسان أو متى يموت، وإنما كيف يلقى الله، وبأي رصيد من الإيمان والطاعة والصدق والإحسان يلقاه.
فمن عمر أيامه بذكر الله، وأحسن إلى الناس، وأدى الحقوق إلى أهلها، وأخلص في عبادته، رجا أن يكون قبره روضةً من رياض الجنة، وأن ينعم بأمن الله ورحمته يوم يفزع الناس إلى أعمالهم.