الإعلام بين شح المعلومات وتراجع التأثير
لم يكن لافتًا في لقاء وزير الدولة للإعلام مع رؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية الحديث عن أزمات التمويل أو تراجع الإعلانات، بقدر ما كان لافتًا ذلك الإجماع شبه الكامل على أزمة أكثر عمقًا وخطورة، وهي أزمة الوصول إلى المعلومات.
ففي عالم اليوم لم تعد قوة الإعلام تقاس بعدد الصحف المطبوعة أو ساعات البث، وإنما بقدرته على الوصول إلى الحقيقة وتقديمها للجمهور في الوقت المناسب. وهنا تكمن المعضلة التي يعاني منها الإعلام المصري منذ سنوات؛ إذ يجد نفسه مطالبًا بإشباع نهم الجمهور للمعرفة، بينما تُغلق أمامه في كثير من الأحيان أبواب المعلومات أو تُفتح بعد فوات الأوان.
لقد أدركت الدول المتقدمة منذ زمن أن المعلومة ليست منحة تمنحها السلطة متى شاءت، وإنما حق أصيل للمجتمع وركيزة من ركائز الحكم الرشيد. ولذلك أصدرت تشريعات واضحة لحرية تداول المعلومات، وألزمت المؤسسات العامة بالرد على وسائل الإعلام وتوفير البيانات والوثائق والإحصاءات، فأصبح الصحفي هناك يبحث ويحلل ويناقش، لا يطارد المعلومة أو ينتظر تصريحًا قد لا يأتي.
أما في واقعنا، فإن كثيرًا من القضايا التي تشغل الناس تظل أسيرة الصمت أو الغموض أو التأخر في الإعلان، وهو ما يخلق فراغًا معلوماتيًا سرعان ما تملؤه الشائعات والتكهنات والروايات غير الموثقة. فالشائعة لا تنتصر لقوتها، وإنما تنتصر عادةً لغياب الحقيقة أو تأخرها.
ولعل المفارقة أن الدولة نفسها تصبح أول المتضررين من هذا الفراغ؛ لأن المواطن حين لا يجد المعلومة في وسائل الإعلام الوطنية يبحث عنها في منصات أخرى قد تفتقر إلى المهنية أو تحمل أجندات لا تخدم المصلحة الوطنية. وهكذا يخسر الإعلام الوطني جمهوره تدريجيًا، لا بسبب ضعف كوادره، بل لأنه لا يمتلك ما يكفي من المعلومات التي تجعله قادرًا على المنافسة.
وعند مقارنة المشهد الراهن بفترات سابقة من تاريخ الصحافة المصرية، يتضح حجم التحول الذي أصاب الصناعة. فقد شهدت مصر في مراحل عديدة حالة من الحراك الصحفي الواسع، خاصة مع عودة الصحافة الحزبية ثم الصحافة الخاصة..
حيث ازدهرت المنافسة المهنية، وتعددت المدارس الصحفية، وبرزت أسماء لامعة في التحقيقات والحوارات والانفرادات الصحفية. وكانت الصحف تتنافس على الخبر والمعلومة والتحليل، لا على إعادة نشر البيانات الرسمية أو اجترار المحتوى المتداول.
أما اليوم، فقد تراجعت الموارد المالية، وانخفضت معدلات التوزيع، وتآكلت سوق الإعلانات التقليدية، في الوقت الذي تتسع فيه المنافسة الرقمية بصورة غير مسبوقة. ومع هذه الضغوط الاقتصادية جاء تضييق مصادر المعلومات وصعوبة الوصول إلى المسؤولين وعزوف كثير منهم عن الحوار الإعلامي، فتراجع المحتوى وتراجعت معه جاذبية الصحافة لدى قطاعات واسعة من الجمهور.
ولا يمكن إنكار أن الإعلام المصري ما زال يملك عناصر قوة مهمة، من كوادر مهنية وخبرات متراكمة ومؤسسات عريقة، لكن هذه العناصر وحدها لا تكفي. فالصحفي لا يستطيع أن يصنع مادة قوية من فراغ، ولا يمكن لأي مؤسسة إعلامية أن تستعيد تأثيرها بينما تفتقر إلى المادة الخام الأساسية لعملها، وهي المعلومة.
ومن هنا تبدو أهمية ما أعلنه وزير الدولة للإعلام بشأن السعي لإصدار قانون حرية تداول المعلومات وإعادة هيكلة منظومة المتحدثين الرسميين وتيسير تدفق المعلومات إلى وسائل الإعلام. فهذه الخطوات ليست مطالب فئوية تخص الصحفيين وحدهم، بل هي ضرورة وطنية تمس حق المجتمع كله في المعرفة.
إن مستقبل الإعلام المصري لا يتوقف على زيادة الدعم المالي فحسب، ولا على تطوير أدوات الطباعة أو النشر الرقمي وحدها، وإنما يبدأ أولًا من ترسيخ قاعدة بسيطة أثبتتها تجارب العالم كافة: كلما تدفقت المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب، تراجعت الشائعات، وارتفعت الثقة، واستعاد الإعلام مكانته وتأثيره. أما حين تصبح المعلومة نادرة أو متأخرة، فإن الخاسر في النهاية ليس الصحفي وحده، بل المجتمع بأسره.
فالإعلام القوي لا يُبنى بالمكاتب الفاخرة ولا بالشعارات الرنانة، وإنما يُبنى بحرية مسؤولة، ومعلومة متاحة، ومؤسسات تدرك أن الحقائق حين تُحجب لا تختفي، بل تبحث عن طريق آخر للوصول إلى الناس.
أقول أخيرًا: إن وزير الدولة للإعلام مازال يتكلم أكثر مما يفعل وأخشى أن تتحول حواراته إلى مكلمة دون أن يدري.