فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أمي!

الأم.. تلك الكلمة التي تختصر العالم كله في نبضة قلب، وتُلخِّص معنى الرحمة في وجهٍ واحد، وتمنح للحياة طعمها الأول ودفئها الأخير. في عيدها، لا نحتفل بيومٍ عابر، بل نحتفي بعمرٍ كامل من العطاء الصامت، بصبرٍ لا ينفد، وبحبٍ لا يعرف الحساب.

في وجدان المصريين، ارتبط عيد الأم بصوت الفن قبل أن يُكتَب بالحروف؛ فحين تغنّي فايزة أحمد رائعة ست الحبايب، تتوقف الكلمات عند حدّ الدموع، وكأن الأغنية صارت نشيدًا رسميًا للحنان.

 وحين يصدح صوت محمد عبد الوهاب بألحانه الخالدة، أو يهمس عبد الحليم حافظ في أغانيه التي مست وجدان الأسرة المصرية، ندرك أن الفن لم يكن يومًا بعيدًا عن تقديس الأم، بل كان أحد أبرز تجلياته. وكذلك حين تغني شادية للأم بحنانٍ صادق، تصبح الأغنية رسالة وفاءٍ تتجدد كل عام.


غير أن تكريم الأم ليس بدعة حديثة، بل هو أصلٌ راسخ في الشرائع السماوية، وفي مقدمتها الإسلام؛ إذ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الإسراء: 23)، ويقول أيضًا: "وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا" (العنكبوت: 8).

 

وفي السنة النبوية، تتجلّى منزلة الأم بأبلغ بيان، حين سأل رجلٌ رسول الله ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أبوك".
وفي حديث آخر: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وهو تعبيرٌ بليغ عن عِظَم قدرها ورفعة منزلتها.

 

أما عن عيد الأم كاحتفالٍ عالمي، فقد بدأت جذوره الحديثة في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين، حين سعت الناشطة آنا جارفيس إلى تخصيص يومٍ لتكريم الأمهات، حتى تم اعتماده رسميًا عام 1914، ثم انتقل تدريجيًا إلى دول العالم المختلفة، كلٌّ بطابعه الخاص.

 

وفي مصر، يعود الفضل في إحياء هذه المناسبة إلى الشقيقين الصحفيين مصطفى أمين وعلي أمين، مؤسسي صحيفة أخبار اليوم، حيث طرحا الفكرة في خمسينيات القرن الماضي، بعد أن عرضت عليهما قصة أمٍّ أفنت عمرها في تربية أبنائها ثم تُركت وحيدة. ومن هنا، أطلقا دعوة لتخصيص يومٍ للأم، فلاقى الاقتراح قبولًا واسعًا حتى صار يوم 21 مارس عيدًا رسميًا للأم في مصر والعالم العربي.


لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا نفعل لردّ جميل الأم؟ الحقيقة أن رد الجميل مستحيلٌ بمعناه الكامل؛ فالأم لا تُكافَأ، لأنها تعطي بلا انتظار. ومع ذلك، يمكننا أن نقترب من الوفاء عبر أفعالٍ بسيطة لكنها عميقة: أن نبرّها في حياتها، لا في يوم عيدها فقط. أن نصغي إليها، ونحتمل ضعفها كما احتملت ضعفنا. أن نُدخل السرور إلى قلبها بكلمة طيبة، أو زيارة صادقة، أو اهتمامٍ حقيقي. أن ندعو لها في كل حين، أحياءً كانت أو في ذمة الله.

 

عيد الأم ليس مناسبة لشراء الهدايا بقدر ما هو اختبارٌ لصدق المشاعر؛ فكم من أمٍّ لا تريد من الدنيا إلا أن ترى أبناءها بخير، وأن تشعر بأنها ما زالت تسكن قلوبهم كما كانوا يسكنون قلبها.
 

في النهاية، يبقى الاعتراف الأكبر: كل الكلمات تقف عاجزة أمام كلمة "أمي"، وكل المعاني تنحني احترامًا لهذا الكائن الذي علّمنا كيف نحب قبل أن نتعلم كيف نتكلم. فطوبى لكل أمٍّ، وطوبى لكل من عرف قدرها قبل أن يفقدها، فبعض النِّعم لا يُدرك عظمتها إلا حين تغيب.. وحينها، لا ينفع الندم.
رحمة الله عليك يا أمي فقد كنت بحق مدرسة في التربية والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية الناجحة والأسرة المتماسكة المتحابة والمجتمع الناجح.