فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

وهنا تبدأ معركة الإعلام!

ما من دولة عربية إلا ووضع فيها المستعمر التقليدي قبل رحيله بذور الفتنة والانقسام فيها، سواء داخل الدولة ذاتها أو بينها وبين جيرانها؛ وهو ما يجب على الإعلام أن يقوم بتبيانه للناس حتى يطفئ نار الفتنة والانقسام والتشرذم عملا بقول الله تعالى "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".


لم تعد الطائفية في عالمنا العربي والإسلامي مجرد اختلافٍ في الرؤى أو تنوّعٍ في الانتماءات، بل تحوّلت -بفعل فاعلين ظاهرين وخفيين- إلى أداة تفكيكٍ ناعمة، تتسلل إلى بنية الدولة فتُضعفها، ثم تنقضّ عليها فتُفتّتها. وما بين لحظة الغفلة وبداية الانهيار، مسافةٌ قصيرة لا تُقاس بالزمن، بل بمدى وعي الشعوب وإرادة النخب.


لقد قدّمت التجارب القريبة دروسًا قاسية لا ينبغي أن تُنسى. فما جرى في السودان لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكمات من الصراع الداخلي والتوظيف الخارجي حتى انتهى إلى انقسامٍ جغرافي وسياسي. وما تعيشه سوريا منذ سنوات يكشف كيف يمكن للتمايزات الطائفية والعرقية، إذا ما أُسيء إدارتها، أن تتحوّل إلى خطوط تماسٍ دامية تهدّد وحدة الدولة نفسها.. ولا تتوقف مخاطر الطائفية عند هذه الحدود بل تتخطاها لدول أخرى تعاني هذا المرض الصامت!


المشكلة، إذن، ليست في التنوّع ذاته؛ فالتنوّع سنّة كونية، ومصدر ثراءٍ حضاري وثقافي. لكن الخطر يكمن في تحويل هذا التنوّع إلى أداة صراع، عبر تغذية المخاوف، وإحياء الهويات الجزئية على حساب الهوية الجامعة. 

 

هنا تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية، تسعى -صراحة أو ضمنًا- إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط جديدة، قوامها كيانات صغيرة، هشة، متناحرة، يسهل توجيهها أو السيطرة عليها وتغذية نيران الصراع عبر اختلاق إشكالية الشيعة والسنة تارة والعرقية تارة أخرى.


وفي قلب هذا المشهد، تبرز إسرائيل بوصفها المستفيد الاستراتيجي الأول من أي تفكك عربي. ففكرة الشرق الأوسط الجديد ليست مجرد طرحٍ نظري، بل مشروع يتغذّى على كل صراعٍ داخلي، وكل انقسامٍ طائفي، وكل نزاعٍ عرقي. وكلما ضعفت الدول المحيطة، زادت قدرة هذا الكيان على فرض وقائع جديدة، سواء على مستوى الأمن أو الموارد أو النفوذ.

 

لكن، هل الخطر خارجي فقط؟ الحقيقة الأكثر إيلامًا أن الداخل هو البوابة. فحين تُستدعى الطائفة بدل الوطن، وحين يُقدَّم الانتماء الضيق على حساب الدولة، فإننا -بأيدينا- نمهّد الطريق لكل مشروع تفكيكي. إن اللعب على وتر المظلومية، أو استدعاء التاريخ للصراع بدل استحضاره للعبرة، يُعيد إنتاج الأزمات بدل حلّها.

فماذا نفعل؟
أولًا، لا بد من إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية الجامعة، التي تتسع لكل مكوناتها دون إقصاء. دولة القانون التي تساوي بين مواطنيها، فتسحب الذرائع من دعاة الانقسام. فالعدالة ليست ترفًا سياسيًا، بل صمّام أمانٍ وجودي.


ثانيًا، يجب الانتقال من إدارة التنوع إلى استثماره. فبدل أن يكون الاختلاف سببًا للصراع، يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن توظيفه في إطار مشروع وطني جامع. وهذا يتطلب خطابًا ثقافيًا وإعلاميًا جديدًا، لا يُغذّي الانقسام، بل يُرسّخ قيم التعايش.


ثالثًا، على النخب -السياسية والفكرية- أن تتحمّل مسؤوليتها التاريخية. فالصمت في لحظات الخطر ليس حيادًا، بل تواطؤ غير مباشر. والمطلوب هو خطاب شجاع يواجه جذور الأزمة، لا أعراضها فقط.


رابعًا، إدراك أن التسويف لم يعد خيارًا. فالأزمات حين تُترك دون معالجة، تتضخم حتى تتجاوز القدرة على الاحتواء. والتاريخ القريب شاهد على أن الدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حتى تصل إلى نقطة اللاعودة.

 

ولماذا الآن؟
لأن اللحظة الراهنة تحمل مؤشرات مقلقة: صراعات ممتدة، استقطاب حاد، وتدخلات خارجية متزايدة. وكلها عوامل تجعل من أي شرارة داخلية مشروع حريقٍ واسع. إن تأجيل المواجهة يعني ببساطة منح الوقت الكافي لمشاريع التفكيك كي تكتمل.

 

وهل من مصلحتنا التسويف؟
قطعًا لا. فالتسويف في قضايا الوجود هو انتحارٌ بطيء. الأمم التي تتأخر في إدراك أخطارها، تدفع ثمنًا مضاعفًا لاحقًا. وما بين المبادرة بالفعل، والانتظار حتى تفرض الوقائع نفسها، فرقٌ بين من يصنع مستقبله ومن يُفرض عليه.

في النهاية، ليست القضية أن العالم يتآمر أو لا يتآمر، بل أن الأمم الواعية هي التي تُفشل أي تآمرٍ عليها. أما الأمم الغارقة في خلافاتها، فإنها -دون أن تدري- تُنجز ما عجز عنه خصومها.
إن ناقوس الخطر قد دُقّ بالفعل، والسؤال لم يعد: هل الخطر قادم؟ بل: هل نحن مستعدون لمواجهته، أم سنكتفي بمشاهدته وهو يعيد رسم خرائطنا؟ هنا يأتي دوّر الإعلام. كوسيلة وعي قوية وتبيان الحقيقة كاملة امام الناس.