رئيس التحرير
عصام كامل

أصنام من حجر.. وأخرى من قرارات

18 حجم الخط

كان الناس في الجاهلية يعبدون أصنامًا من حجر. لا تسمع شكوى، ولا ترى مظلمة، ولا تنطق بكلمة حق، ولا ترفع ظلمًا عن مظلوم، ولا تعاقب ظالمًا على ظلمه، ولا تقيم جدارًا يريد أن ينقض، ولا ترفع لبنة عن الأرض. كانت مجرد كتل صامتة، يقف أمامها البشر يرجون منها النفع، فلا يعود إليهم إلا الصمت.


وبعد آلاف السنين، تغيرت الأسماء والأشكال، لكن المشهد يبدو مألوفًا على نحو يثير الأسى. فاليوم لم يعد المواطن يقف أمام صنم من حجر، بل أمام سلطة تصر على ألا تسمع، وألا ترى، وألا تراجع نفسها مهما ارتفعت الأصوات حولها. 

 

يشكو الناس من الغلاء، فتأتي قرارات جديدة تزيد الأعباء. يحذرون من تراجع مستوى المعيشة، فتتسع الفجوة بين الدخول والأسعار. يصرخون من ضيق الحال، فيُطلب منهم المزيد من الصبر والتحمل.

 

لقد بُحت أصوات المصريين من الشكوى.. تكلموا عن الأسعار التي تجاوزت قدرة الأسر على الاحتمال. تحدثوا عن تآكل الطبقة الوسطى. اشتكوا من الضرائب والرسوم التي تتزايد عامًا بعد عام. حذروا من تراجع مستوى الخدمات الأساسية ومن ضيق فرص الحياة الكريمة. 

لكن شيئًا لم يتغير، سوى أن الأعباء أصبحت أثقل، وأن المواطن أصبح أكثر شعورًا بأنه غير مرئي في حسابات من يتخذون القرار.


ولعل ما يزيد الإحباط أن بعض القرارات تبدو وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس للعقل والمنطق. فليس من الحكمة، ولا من المصلحة العامة، تقليص حصص الأسمدة المخصصة لنحو 9.5 مليون فدان من الأراضي الزراعية المنتجة، بما قد يؤثر على إنتاجيتها، في بلد لا يزال يستورد جانبًا مهمًا من احتياجاته الغذائية. 

فالدول التي تبحث عن أمنها الغذائي تدعم المزارع، وتزيد إنتاج الأرض، وتبحث عن كل وسيلة لرفع الإنتاج، لا أن تضع المزيد من العقبات أمام من يزرعون ويطعمون الناس.


لكن المشكلة ليست في قرار واحد، وإنما في نهج كامل يجعل المواطن يشعر بأن المنطق غائب، وأن الأولويات تُرتب بعيدًا عن احتياجاته الحقيقية. ففي الوقت الذي يُقال فيه إن الموازنة لا تسمح بتوفير الاعتمادات الكافية للتعليم أو الصحة، تستمر الدولة في التوسع في مشروعات ضخمة يختلف كثيرون حول ضرورتها وأولويتها مقارنة بما يحتاجه المواطن بصورة عاجلة.


يُقال إن الميزانية لا تسمح بسد العجز الهائل في المعلمين، الذي يقترب من 750 ألف مدرس، بينما تعاني المدارس من كثافات مرتفعة وتراجع في جودة العملية التعليمية. ويُقال إن الموارد محدودة عندما يتعلق الأمر بتطوير المستشفيات أو تحسين الخدمات الصحية أو توفير الدواء، في وقت يواجه فيه ملايين المواطنين معاناة يومية للحصول على علاج لائق.


لكن الموارد نفسها تبدو متاحة عندما يتعلق الأمر بمشروعات لا تمثل أولوية ملحة لحياة المواطن اليومية. مشروعات ضخمة تُنفذ رغم الجدل الواسع حول جدواها الاقتصادية أو حجم الاستفادة الفعلية منها، بينما تظل المدرسة تعاني، والمستشفى يعاني، والمزارع يعاني، والمواطن البسيط يدفع الثمن وحده.


إن الأمم لا تُبنى بالخرسانة وحدها، ولا بالقطارات الفاخرة وحدها، ولا بالمشروعات التي تزين التقارير الرسمية. الأمم تُبنى بالإنسان. بالمعلم الذي يقف داخل الفصل. بالطبيب الذي يجد الإمكانات اللازمة لعلاج مرضاه. بالمزارع الذي يزرع أرضه وهو مطمئن إلى أن الدولة تقف بجواره لا ضده. وبالمواطن الذي يشعر أن أولوياته هي أولويات حكومته.


وما يزيد شعور الناس بالمرارة أنهم يرون أبوابًا واسعة تُفتح أمام الأجانب للحصول على مزايا وفرص استثنائية، بينما يشعر كثير من أبناء الوطن أن الأبواب تضيق أمامهم يومًا بعد يوم. لا أحد يعترض على جذب الاستثمارات أو تشجيع رؤوس الأموال، فهذه ضرورة لأي اقتصاد يسعى للنمو، لكن المواطن يتساءل: لماذا يشعر دائمًا أن المطلوب منه هو التضحية، بينما يحصل غيره على التسهيلات؟


هذه الأسئلة تُطرح منذ سنوات. يطرحها المزارع، ويطرحها العامل، ويطرحها الموظف، ويطرحها ولي الأمر الذي يبحث عن تعليم جيد لابنه، والمريض الذي يبحث عن سرير في مستشفى، والشاب الذي يبحث عن فرصة حياة كريمة. لكن الإجابات لا تأتي، أو تأتي على هيئة مزيد من القرارات التي تزيد الاحتقان وتوسع الفجوة بين الدولة والمواطن.

 

وهنا يعود مشهد الأصنام القديمة إلى الذاكرة. فالصنم ليس حجرًا فقط. الصنم هو كل سلطة لا تسمع. وكل مؤسسة لا ترى. وكل مسؤول يعتقد أن الإصغاء إلى الناس ضعف، وأن مراجعة القرار هزيمة، وأن الاعتراف بالخطأ جريمة. الصنم هو ذلك الكيان الذي تتكسر عند قدميه شكاوى الملايين ثم يظل واقفًا في مكانه، لا يتحرك، ولا يتغير، ولا يستجيب.

لقد اشتكى الناس حتى بحت أصواتهم. وكتبوا حتى جفت أقلامهم. وحذروا حتى استنفدوا الكلمات. لكن الأصنام، قديمًا وحديثًا، تشترك في صفة واحدة: أنها لا تسمع، ولا ترى، ولا تستجيب. وهذا هو أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي سلطة؛ ليس أن يغضب الناس منها، بل أن يقتنعوا أن الشكوى لم تعد تجدي، وأن الصراخ لم يعد يُسمع، وأن الأبواب التي يطرقونها منذ سنوات ليست إلا أبواب أصنام جديدة.. صنعت هذه المرة من الصمت.

الجريدة الرسمية