رئيس التحرير
عصام كامل

العلاج ليس سلعة.. والأطباء ليسوا تجار أوجاع

18 حجم الخط

في واحدة من أخطر اللحظات التي تمر بها المنظومة الصحية في مصر، جاء بيان نقابة الأطباء ليكشف حقيقة يعرفها ملايين المواطنين، لكن البعض يحاول تجاهلها أو القفز فوقها؛ وهي أن أزمة العلاج في مصر لم يصنعها الأطباء، بل صنعتها سنوات طويلة من السياسات التي تخلت تدريجيًا عن فكرة أن الصحة حق أصيل لكل مواطن، وحولت العلاج إلى سلعة تُباع وتُشترى، يدفع ثمنها المريض من ألمه وعمره واحتياجه.

 

الحقيقة التي يجب ألا تغيب وسط الغضب والأزمات، أن الأطباء لم يكونوا يومًا أعداء للمرضى، بل كانوا دائمًا خط الدفاع الأول عن حياة الناس.
هذه المهنة لم تكن يومًا مجرد وسيلة للكسب، بل رسالة إنسانية مقدسة، يدخلها الطبيب وهو يدرك أنه يحمل على عاتقه مسؤولية تخفيف الألم وإنقاذ الأرواح، وأن دعوة مريض قد تكون أعظم من كل المكاسب المادية.

 

الأطباء هم “ملائكة الرحمة” الذين يسهرون أمام غرف العمليات، ويواجهون الموت يوميًا لإنقاذ المرضى، ويتحملون ضغوطًا نفسية وإنسانية هائلة لا يشعر بها إلا من عاش داخل المستشفيات ورأى حجم المعاناة عن قرب.

 

ولذلك، فإن تصوير الطبيب باعتباره سبب الأزمة أو المستفيد منها ظلم كبير لحقيقة ما جرى على مدار سنوات طويلة. فالأطباء أنفسهم كانوا وما زالوا أكثر تعاطفًا مع المرضى من سياسات ومسؤولين تعاملوا مع العلاج باعتباره مشروعًا اقتصاديًا ومصدرًا للربح والاستثمار، لا حقًا إنسانيًا تكفله الدولة لمواطنيها.

 

المواطن المصري لم يذهب إلى القطاع الخاص لأنه يعيش رفاهية الاختيار، بل لأنه يبحث عن سرير متاح، أو جهاز يعمل، أو عملية جراحية لا تحتاج شهور انتظار، أو طبيب يستطيع أن يمنحه وقتًا كافيًا للفحص والعلاج. وهذه الحقيقة وحدها تكشف حجم الأزمة داخل المستشفيات الحكومية التي تراجعت خدماتها بفعل نقص الإمكانيات والضغط والإهمال الممتد لسنوات.

 

والمأساة الأكبر أن الدولة، بدلًا من أن تدعم مستشفياتها العامة وتعيد بناء الثقة فيها، تركت الباب مفتوحًا أمام خصخصة تدريجية للقطاع الصحي، حتى أصبحت منشآت طبية كاملة تُدار بعقلية استثمارية بحتة، وفقًا لما تحققه من أرباح وعوائد، لا وفقًا لما تقدمه من حماية حقيقية لحياة المواطنين.

 

وهكذا، وجد المواطن الفقير نفسه في مواجهة معادلة قاسية؛ إما أن يمتلك المال فيحصل على العلاج، أو ينتظر دوره داخل منظومة مرهقة قد لا ترحم ضعفه أو مرضه أو ضيق حاله.

 

أما الطبيب نفسه، الذي يتهمه البعض اليوم بالجشع، فهو في الحقيقة أحد ضحايا هذا الانهيار. فكيف يُطلب من طبيب قضى سنوات طويلة في الدراسة والتدريب والسهر وتحمل المسؤولية، أن يعيش براتب يقترب من الحد الأدنى للأجور؟ وكيف يمكن إقناع طبيب شاب بالبقاء داخل مستشفى حكومي وهو لا يجد دخلًا يكفي احتياجاته الأساسية، بينما العالم كله يفتح أبوابه للكفاءات المصرية؟

 

الحقيقة المؤلمة أن عمل الأطباء في القطاع الخاص لم يعد رفاهية، بل أصبح وسيلة للبقاء والحفاظ على حياة كريمة في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة. والمشكلة ليست في الطبيب الذي يبحث عن دخل يحفظ كرامته، بل في السياسات التي دفعت المنظومة الصحية كلها إلى هذا الطريق.

 

ولهذا، فإن أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط ارتفاع تكلفة العلاج، بل انهيار فكرة العدالة الصحية نفسها. لأن العلاج عندما يتحول إلى سلعة تخضع فقط لقوانين السوق، يصبح الفقراء هم أول الضحايا، وتصبح القدرة على النجاة مرتبطة بحجم المال، لا بحق الإنسان في الحياة.

 

إن أي دولة تتراجع عن مسؤوليتها تجاه المرضى الفقراء، وتترك المواطن يواجه المرض وحيدًا، لا تخسر فقط منظومتها الصحية، بل تخسر جزءًا من إنسانيتها أيضًا.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الطبيب والمريض، كما يحاول البعض تصويرها، بل بين حق المواطن في العلاج الكريم، وبين سياسات حولت الصحة إلى “بيزنس” مفتوح على حساب وجع الناس.

سيظل الطبيب منحازًا للمريض، وسيظل يقاتل لإنقاذ الأرواح مهما كانت الظروف.. لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه الجميع اليوم: من ينحاز للمريض الفقير؟ ومن يعيد للدولة دورها الحقيقي في حماية حق المصريين في العلاج والحياة؟

الجريدة الرسمية