جريمة إعدام المستقبل
في هذا الوطن، قد يغفر الفساد.. وقد تحتمل الأخطاء.. وقد تمر سنوات القسوة الاقتصادية بصعوبة وألم.. لكن هناك جريمة واحدة لا تغتفر أبدًا: أن تقتل مستقبل أمتك بيديك.. وأن تطرد عقولها النابغة خارج أسوارها.. ثم تتساءل بعدها لماذا تراجعت البلاد!
ما يحدث الآن داخل جامعة الأزهر ليس مجرد أزمة تعيينات، بل كارثة وطنية مكتملة الأركان.. جريمة حقيقية ترتكب في وضح النهار بحق أنبغ شباب مصر.
دفعات كاملة من أوائل كلية الطب، الذين أفنوا أعمارهم بين الكتب والمستشفيات والمشرحة وغرف الطوارئ، ينتظرون منذ سنوات قرار تعيين لا يأتي، بينما تغلق أبواب الجامعة في وجوههم واحدا تلو الآخر، وكأن التفوق أصبح لعنة، وكأن الاجتهاد صار جريمة تستوجب العقاب.
قسم القلب والأوعية الدموية بطب الأزهر، أحد أخطر وأهم الأقسام الطبية، يوشك أن يخلو تمامًا من المعيدين والمدرسين المساعدين، بعد توقف التعيينات منذ دفعة 2016. تخيلوا حجم الكارثة! جامعة بحجم الأزهر، بتاريخها وقيمتها ومكانتها، تُترك بلا أجيال جديدة تحمل راية التعليم والبحث العلمي والعلاج.
من سيدرس بعد سنوات؟ من سيقف أمام الطلاب؟ من سيقود المستشفيات الجامعية؟ من سيكمل المسيرة؟
إن الدول التي تحترم نفسها تتعامل مع أوائل الجامعات باعتبارهم ثروة قومية، تفتح لهم الأبواب، وتوفر لهم كل أسباب النجاح، لأنهم ببساطة وسيلة النهضة الحقيقيه للبلاد. أما نحن.. فنهينهم بالصمت، ونتركهم فريسة للانتظار، ثم ندفعهم دفعا إلى الهجرة، وكأن الوطن يلفظ أفضل أبنائه بإرادته. أي عبث هذا؟!
شاب قضى عمره كله متفوقا، يحمل حلما نبيلا بأن يصبح أستاذا جامعيا وباحثا وطبيبا يعلم الأجيال، يجد نفسه في النهاية مطاردا بعقود الخليج، أو واقفا أمام سفارات أوروبا وأمريكا، أو محاصرا داخل وظيفة لا تليق بقدراته، فقط لأن الدولة لم تمنحه فرصة عادلة ليستكمل طريقه العلمي.
ثم نخرج بعد ذلك لنصرخ: لماذا هاجرت العقول؟ لماذا تراجع البحث العلمي؟ لماذا تدهورت الجامعات؟ ونجد من يطالب بمنعهم من السفر! أو القصاص منهم واسترداد ما أنفقته الدولة علي تعليمهم! لم يعد ينقص سوي أن يطالب البعض الآخر بآن يطبق عليهم عذاب سحرة فرعون!
وكأننا لا نرى المشهد بأعيننا.. نحن من نطرد علماءنا بأيدينا. نحن من نغلق الأبواب في وجوه المتفوقين. نحن من نحول العباقرة إلى مهاجرين، ثم نبكي بعد رحيلهم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة، ليس إنهيار طريق، ولا تعثر مشروع، بل إنهيار منظومة صناعة الإنسان. وحين تفقد الجامعات كوادرها الشابة، فإنها تدخل مرحلة الشيخوخة البطيئة، ويبدأ العد التنازلي لانهيار التعليم نفسه.
هذه ليست قضية تخص أبناء الأزهر وحدهم.. هذه قضية وطن كامل يفرط في أعظم ما يملك. فالمباني تبنى من جديد.. والطرق يمكن إصلاحها.. أما إذا هاجرت العقول وانكسرت النفوس، فلن يعوضها شيء.
إنها صرخة أخيرة قبل أن نصحو على جامعات خاوية، ومستشفيات بلا معلمين، وأجيال بلا قدوة علمية حقيقية. افتحوا باب التعيينات فورا لأوائل دفعات 2016 وما بعدها.. أنقذوا ما تبقى من هيبة العلم.. أعيدوا الأمل لمن استحقوه بعرقهم وتفوقهم.. فالأمم لا تنهض بالإسمنت وحده.. بل تنهض بالعقول التي تصنع الحضارة وتحمي المستقبل.
