رئيس التحرير
عصام كامل

ومن يفتح قلبه للمصري؟

18 حجم الخط

في كل مرة يخرج علينا مسؤول، أو خبير، أو متحدث أنيق الكلمات، ليحدثنا عن واجب مصر في استقبال اللاجئين، وضرورة فتح الأبواب، وفضيلة الاحتواء، وعظمة الدور التاريخي، ينتابني سؤال بسيط جدًا.. ومن يفتح قلبه للمصري؟


من يفتح قلبه لذلك المواطن الذي أصبح يعيش داخل وطنه كضيف ثقيل؟ من يربت على كتف الرجل الذي يخرج كل صباح ليصارع الأسعار؟ من يسمع أنين الأم التي تقف حائرة بين فاتورة الكهرباء وثمن الدواء؟ من يشعر بالشاب الذي صار الحلم بالنسبة له مجرد فرصة عمل محترمة أو شقة تصلح للحياة؟


كلهم يطالبون المواطن المصري بأن يكون واسع الصدر، رحب القلب، طويل البال، كريم النفس، وأن يبتلع الضيق كما يُبتلع الدواء المر.. ملعقة بعد ملعقة.. قهرًا وكمدًا وصمتًا.


لا أحد يعترض على نجدة الملهوف، ولا أحد يرفض إغاثة من هرب من حرب أو جوع أو موت. المصري بطبعه لا يغلق بابه في وجه محتاج، وهذه شهادة التاريخ قبل أن تكون شهادة الحاضر. لكن بين الشهامة وبين الاستنزاف شعرة رفيعة، وبين الإنسانية وبين تحميل شعب كامل فوق طاقته مسافة لا يراها إلا من يعيش المعاناة.


ومصر لم تكن يومًا غريبة عن فكرة استقبال الوافدين. فقد عرفت في زمن سابق جاليات يونانية وإيطالية وفرنسية وأرمنية وغيرها، عاشت بين المصريين وتركت أثرًا واضحًا في التجارة والصناعة والعمارة والتعليم والفنون. 

تعلم المصريون منهم لغات وأساليب عمل وخبرات جديدة، كما تعلموا من مصر روحها وطباعها. كان وجودهم إضافة حقيقية، وتبادلًا نافعًا، ووجهًا من وجوه الرقي والانفتاح.


أما اليوم، فالمشهد مختلف تمامًا. المواطن المصري لم يعد يحتمل مزيدًا من الزحام في كل شيء.. زحام المدارس، وزحام المستشفيات، وزحام الطرق، وزحام لقمة العيش نفسها. صار ينافس في بلده على العمل، وعلى السكن، وعلى الخدمات، ثم يُطلب منه أن يبتسم أيضًا!


والأشد مرارة أن بعض من جاءوا إلينا لم يحملوا خبرات نادرة، ولا قيمة مضافة، ولا ثقافة يتعلم منها المجتمع، بل جاء بعضهم محملًا بأزمات بلاده وصراعاتها وسلوكياتها الخشنة، ثم راح يزاحم أهل البلد في كل شيء. بل وصل الأمر بالبعض إلى التطاول، والتشكيك في أهل مصر، والادعاء بأن المصريين دخلاء على أرضهم، أو أن حضارة مصر القديمة ليست لهم.


أي مرارة أكبر من هذه؟ أن تُضيّق على المواطن في رزقه، ثم يُطلب منه الصمت. أن يتحمل الضغط، ثم يُطالب بالامتنان. أن ينافس في وطنه، ثم يسمع من يشكك حتى في تاريخه وهويته.
وإذا تجرأ وسأل: ما مصلحتي أنا؟ قالوا له: اصمت.. مصر كبيرة. وإذا قال: أنا متعب.. قالوا له: تحمّل.. مصر أم الدنيا. وإذا قال: حقي أولًا.. اتهموه بقلة الرحمة وضيق الأفق.


عجيب هذا المنطق. كأن الوطنية أن تتألم في صمت. وكأن الإنسانية أن يدفع المواطن الفاتورة وحده. وكأن المصري خُلق فقط ليضحي.. بينما لا يملك حتى رفاهية الشكوى.


لسنا ضد أحد، ولسنا دعاة كراهية، ولسنا أعداء لمن ضاقت بهم الأوطان. لكننا أيضًا لسنا شعبًا بلا حقوق، ولا أرضًا مستباحة، ولا شعبًا مطلوبًا منه أن يتراجع خطوة كل يوم داخل وطنه.

افتحوا الأبواب كما شئتم.. لكن قبلها افتحوا النوافذ ليرى الناس الحقيقة. قولوا لنا الأرقام. قولوا لنا الكلفة. قولوا لنا أين مصلحة المصري. قولوا لنا متى يأتي دوره. فالمواطن الذي صبر طويلًا، لم يعد يريد خطبًا عن المجد.. بل يريد حياة تليق به. 

وأما قبل.. إذا كان مطلوبًا من مصر أن تفتح قلبها للجميع.. فمن يفتح قلبه لأهل مصر؟

الجريدة الرسمية