لكي تصبح "الراوي" جائزة كبيرة!
بعد تناولي -في مقال الأسبوع الماضي تحت عنوان: جائزة الراوي.. الست لمياء وشركائها!- لما شهدته جوائز مسابقة الراوي في نسختها الثانية من ارتباك وصل إلى حد حجب جوائز واحد من فروع المسابقة، بعد الإعلان عن المتأهلين للقائمة القصيرة، وإبلاغ المشاركين فيها بفوزهم، تواصلت معي السيدة لمياء كامل الرئيس التنفيذي لمؤسسة سي سي بلاس "CC Plus"، الرائدة في مجال العلاقات العامة والاتصالات الاستراتيجية، بصفتها مؤسسة الجائزة..
وشرحت لي بالتفصيل الأسباب التي أدت لهذا الارتباك، ومن بينها أن عدد المتسابقين الذين تقدموا للمنافسة في هذا الفرع فقط بلغ نحو 1000 متسابق، وللأسف كانت أعمال أغلبهم دون المستوى، مما مثل عبئا شديدا على إدارة الجائزة وأعضاء لجنة التحكيم..
وأنهم لكي يتيقنوا من ذهاب جائزة المنولوج إلى من يستحقها بالفعل، لجأوا إلى إجراء تصويت تكرر عدة مرات وشارك فيها المحكمون، ومن بينهم أعلام ونجوم – كل في مجاله– لكن التصويت انحاز أكثر من مرة إلى أن الأعمال المقدمة لا ترقى لمستوى الفوز، فكان قرار الحجب حفاظا على سمعة الجائزة، وقيمة الفائزين بها في الفروع الأخرى من المسابقة.
ومن حديثي المستفيض مع السيدة لمياء أستطيع أن أحدد عدة أسباب كانت كفيلة بإحداث هذه الحالة من الارتباك، وأجدني الآن منحازا إلى قرار حجب الجوائز الذي انتقدته الأسبوع الماضي لأنه تم بعد الإعلان عن أسماء المتأهلين للقائمة القصيرة. وتلك هي الأسباب:
أولا: المنولوج بشكل أو بآخر هو لون من ألوان التمثيل، يركز على اختبار أداء الشخص لكلام يتحدث به إلى مستمع صامت ويعبر بالأداء التمثيلي عن جوانب ومواقف الشخصية التي يؤدي دورها، ومن ثم نحن لا نقيم مضمون الكلمات التي ينطق بها المؤدي، بقدر ما نقيم طريقه أدائه لهذه الكلمات وقدرته على الإحساس بها.
ثانيا: لأن المسابقة وضعت محورا واحدا لكل المتسابقين هو سؤال ( قول لنا شايف مصر ازاي)، تحول هذا الفرع إلى اختبار لموهبتين لدى المتسابق وليست موهبة واحدة، حيث أنه مطالب بأن يؤلف كلاما جيدا، ويؤديه أيضا بشكل جيد، فكان من الطبيعي أن يفشل غالبية المشاركين في الاستحواذ على إعجاب المحكمين.
ثالثا: السؤال الذي تدور حوله كل أعمال المسابقة (شايف مصر ازاي) هو سؤال مباشر وخطابي، ومن الطبيعي أن نجد أغلب المتسابقين قد جنحوا نحو المباشرة والوعظ ليثبتوا وطنيتهم ومحبتهم لبلادهم، ومن البديهي أن ذلك ضد الفن الحقيقي، الذي لا يميل للخطاب الأخلاقي الوعظي.
رابعا: المونولوج هو جزء مهم ينبغي أن يمتلكه فقط من يرغب في التمثيل، وبالتالي كان الأفضل أن يكون التسابق في موهبة التمثيل بشكل عام وليس المنولوج وحده.. واعتقد -في ظل حالة الفوضى التي تسببها السوشيال ميديا حاليا- أن أغلب الذين شاركوا في هذا الفرع من الجائزة، لا يعرفون بشكل دقيق معنى المونولوج، ومن ثم كان هدفهم فقط هو تصوير فيديو قصير عن حب الوطن.
هذا هو تصوري لأسباب ما تعرضت له هذه المسابقة من انتقادات، أما الحل الاستباقي الأفضل من وجهة نظري، حتى تستمر هذه المسابقة وتتقدم، وٌتراكم سمعة طيبة تجعل الناس يثقون في أي موهبة تخرج من خلالها، فيتلخص في عدة نقاط، أتمنى أن يتم مراعاتها في الأعوام المقبلة:
أولا: التركيز على مجالات الكتابة بشكل أكبر وأوسع، بحيث تركز الجوائز على كتابة السيناريو السينمائي (للأفلام الروائية القصيرة والطويلة)، والدراما التلفزيونية، خاصة أننا نفتقد بالفعل لمسابقات تكشف عن الموهوبين في كتابة الدراما التلفزيونية التي احتلت الصدارة في السنوات الأخيرة..
وأصبح الناس يهتمون بمتابعتها، مثل أفلام السينما وربما أكثر، بالإضافة لفن تم إهماله مؤخرا رغم أهميته وتاريخه العريق في الأدب المصري والعربي، هو فن كتابة القصة القصيرة، الذين أٌهمل لصالح الرواية، ولا أعرف سببا لذلك.
ثانيا: الابتعاد عن المجالات التي يحتاج التسابق فيها إلى تفاعل مباشر بين المتسابق ولجان التحكيم، ومن بينها التمثيل بالطبع، فهذا مجال واسع وكبير يحتاج لمسابقات تخصص له منفردا، وليس باعتباره مجرد فرع في مسابقة كبيرة.
ثالثا: العمل على ما يمكن تسميته بـ (خدمة ما بعد الفوز)، وذلك بتوقيع اتفاقات جادة مع مؤسسات كبيرة لتبني الأعمال الفائزة وتنفيذها، وسيكون ذلك سهلا خاصة في فرع السيناريو السينمائي والتلفزيوني، لا سيما وأن من بين المحكمين في الجائزة اثنان من كبار المنتجين هما محمد حفظي وطارق الجنايني، يمكن إلى جانب ذلك الاتفاق مع دور نشر معروفة على نشر الأعمال الأدبية الفائزة والتسويق الجيد لها بما يليق بموهبة أصحابها الفائزين.
رابعا: تجنب مغازلة المهووسين بشهرة السوشيال ميديا، فليس من المنطقي أن نمنح جائزة لروائي أو سيناريست، ونمنح معه في نفس الوقت، جائزة لمن يقدم فيديو عن الطهي.
باختصار، جائزة الراوي مرشحة لأن تكون قبلة للمبدعين والموهوبين في مصر، خاصة وأن هناك مؤسسة كبيرة تشرف عليها، وأربع وزارات في الحكومة ترعاها، بشرط أن يكون لها نصيب كبير من اسمها، فالراوي قد يكون سيناريست، أو قصاص، أو روائي، لكنه –من وجهة نظري- لن يكون بأي حال طباخا!
سأكون سعيدا عندما أجد موهوبا حقيقيا، يكتب في سيرته الذاتية بكل الفخر أنه شارك في مسابقة الراوي وفاز أو حتى تأهل للفوز فيها، وأرى أن الجائزة تمتلك مقومات تحقيق هذه المرتبة، فقط بمزيد من الدقة والتخطيط والإخلاص.
