رئيس التحرير
عصام كامل

الجماعة.. شهادة متأخرة على ضمير كاتب!

18 حجم الخط

شاهدت مؤخرا الموسم الأول من مسلسل "الجماعة" تأليف الكاتب الكبير-رحمة الله عليه- وحيد حامد، وإخراج محمد ياسين، ولا أعرف سببا منطقيا لتكاسلي عن مشاهدته طول تلك السنوات، رغم الضجة التي أثارها عند صدوره عام 2010.
 

بدأت المشاهدة وقد تملكتني فكرة اكتشاف الطريقة التي عالج بها وحيد حامد هذه القصة الشائكة، التي أثارت ومازالت تثير زوابع من الاختلافات والمعارك، وخرجت من تجربة المشاهدة وكلي يقين بأن الأستاذ وحيد قد قدم عملا تاريخيا، لو أنه لم يقدم سواه، لكفى لوضع اسمه ضمن قائمة أهم كتاب السيناريو في مصر.


أول دروس الدراما التي يتعلمها طلاب أقسام السيناريو في مرحلة بناء الشخصيات الدرامية، أن الشاشة لا يظهر عليها ملائكة أو شياطين، ولكن بشر، بداخلهم الخير والشر، ليس هناك لون أبيض دون أن تتخلله بعض المساحات السوداء، والعكس أيضا صحيح.


من هنا أدرك وحيد حامد -وهو الأستاذ الذي علم أجيالا من الكتاب- أن مهمته هى الدخول في شخصية حسن البنا مؤسس الإخوان، والغوص فيها، والبعد عن الصورة النمطية التي توقعها البعض منه، فتخيلوا أنهم سيشاهدون البنا قريب الشبه من شخصية أبي لهب في فيلم فجر الإسلام، لكن الرجل قدم تمهيدا رائعا لشخصيته منذ طفولتها وشبابها، إلى أن تحول إلى قائد لجماعة أصبحت مسئولة عن أحداث كبرى في تاريخ مصر.
 

قدم وحيد حسن البنا باعتباره إنسانا أخلص لحلم راوده في طفولته، بأن يغير العالم الذي يعيش فيه إلى صورة اعتبر أنها هي الصورة المثالية، وتطور الحلم مع البنا، إلى أن تحول لكابوس ليس له فقط، ولكن للمجتمع المصري كله.
 

على مستوى التمثيل كان المسلسل مباراة حقيقية بين نجوم كبار يأتي في مقدمتهم إياد نصار بالطبع، وقد فوجئت بأن هذا الموسم من المسلسل قدم مجموعة من الممثلين في أدوار صغيرة، أصبحوا بعد ذلك من نجوم الصف الأول، منهم محمد فراج، محمد ممدوح، محمد رمضان، محمد شاهين، كريم محمود عبدالعزيز، وغيرهم.

 
لقد كان حسن البنا -وفقا لرؤية وحيد حامد- مخلصا لدعوته، لكنه فشل في تحقيق أهدافه، وفي الطريق نحو الفشل غض البصر عن مصير ضحايا، دهستهم قاطرة أحلامه، دماء سالت، وأبرياء قتلوا أو دخلوا السجون، أطفال كان مصيرهم اليتم، ونساء ترملن، والبنا يقنع نفسه، بأن كل ما يحدث هو ثمن طبيعي لتحقيق المدينة الفاضلة التي رسمها في خياله!


وكان مشهد النهاية في الموسم الأول من المسلسل مشهدا عبقريا، لخص رؤية وحيد لحياة الرجل، حيث أصبح البنا محاصرا من كل اتجاه، وانهارت الجماعة التي أنفق حياته في محاولة بنائها، وهنا قال جملته الكاشفة: "لهذا خلق الله الندم"!

ربما يكون حسن البنا في الواقع لم يمر بلحظة ندم حقيقية عندما اقترب من نهايته، لكن البنا الذي رسمه وحيد حامد لابد أن يشعر قرب النهاية بالندم، وهكذا تكون كتابة المحترفين، الذين ينتصرون لإبداعهم وضميرهم المهني على أي اعتبارات أخرى، ومن بينها الاعتبارات السياسية، بل إن وحيد حامد انتصر لإبداعه على اعتبارات خصومته مع جماعة الإخوان، حيث كان المنتمون إليها والمتعاطفون معها، يهاجمونه ويهاجمون أعماله بمناسبة ودون مناسبة!

الجريدة الرسمية