رئيس التحرير
عصام كامل

هيبة الفنان في صمته!

18 حجم الخط

قالوا قديما (في كثرة الصمت تكون الهيبة)، حكمة يبدو أنها لم تصل لبعض الفنانين والفنانات، رغم أن بعضهم يعتبر من نجوم الصف الأول الذين تباع بأسمائهم الأفلام والمسلسلات، فلا يكاد يمر أسبوع دون أن يقع واحد منهم في مأزق بسبب زلات لسانه، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتكررة.. 

منها مثلا تصريحات الفنانة رانيا منصور مؤخرا عن دخول ابنتها توانا الجوهري (14 عاما) عالم التمثيل، حيث أكدت الأم أن توانا -نجمة المستقبل- لا تعرف القراءة بالعربية، ومن ثم تقوم الأم بترجمة السيناريوهات التي ستشارك بالتمثيل فيها لكي تفهم مضمونها!
 

تصريح تلفزيوني غريب وصادم عن مشروع ممثلة مازالت طفلة تخطو خطواتها الأولى في دنيا الفن، وإذا كانت الأم تقول ما قالته على سبيل التفاخر بأن ابنتها تتلقى تعليما راقيا باللغة الإنجليزية فقط، فيجب أن تعلم أن ذلك يقلل من قيمة ابنتها وليس العكس.. 

 

فالممثل -وهي بالتأكيد تعرف ذلك- ليس ببغاء يقف أمام الكاميرا ليردد جملا وعبارات تم تلقينها له قبل التصوير، لأن اللغة هنا ليست مجرد حروف أبجدية، بل هي ثقافة كاملة، ومن المفترض أن ابنتها -لو قٌدر لها النجاح في التمثيل- سوف تشارك في تقديم أعمال تعبر عن هذه الثقافة وتناقش قضاياها وهموم أهلها.. 

 

ولا يخفى على أحد بالطبع حجم الهجوم الذي سوف يسببه هذا التصريح الغريب على الفن والفنانين بشكل عام، وليس على رانيا وابنتها وحدهما، في ظل حالة من التربص تسود مجتمعنا الأميل للمحافظة بالوسط الفني وطريقة حياة بعض الفنانين التي لا نبالغ إذا وصفناها بالاستفزاز!
 

يذكرنا هذا التصريح بموقف مماثل منذ فترة كان بطله الفنان محمد نجاتي، وهو فنان بدأ طريقه في التمثيل صغيرا، وعندما وصل لسن الشباب حصل على فرص جيدة وقدم أدوارا نال عنها جوائز، لكن توارى وتوقف عن العمل، ولا نعرف لذلك سببا محددا، وإذا به مرة يروي في حوار معه أنه يتلقى بعض سيناريوهات الأفلام السيئة، فيقرر منحها للسيدة والدته -طبقا لكلامه- لكي تستفيد بها في تجفيف البطاطس المقلية!


ورغم أنني أشك مبدئيا في وجود شخص ما عاقل يمكن أن يفكر في إرسال سيناريو لمحمد نجاتي، إلا أن تصريحه يحتوي على إهانة واضحة للسيناريو وكٌتابه، وهذا مضمون تعليق الشاعر والكاتب ايمن بهجت قمر على تصريحات نجاتي: وحتى لو كان هذا الفنان المنطفيء يقصر كلامه على سيناريوهات وصفها بأنها سيئة، فإن كلامه في كل الأحوال لا يصح، وينم عن تعالي وغرور لا أجد له في الواقع مبررا! 


وإذا اعتبرنا تصريحات كل من رانيا منصور ومحمد نجاتي تأتي ضمن زلات اللسان غير المقصودة، إلا أننا يجب أن نتوقف عند نوع آخر من التصريحات التي يكون هدفها هو الإيهام بالعمق، حيث يرغب الفنان في تقديم نفسه باعتباره مفكرا عميقا ومتأملا عظيما، وليس مجرد ممثل..

 

وتحت هذا النوع يمكن أن نرصد تصريح الفنان عمرو يوسف الذي اضطر للاعتذار عنه فيما بعد، حيث قال في العرض الخاص لفيلم السلم والتعبان 2، أنه منذ 15 عاما أثناء تصوير فيلم واحد صحيح كان متخوفا من استخدام لفظ( ف ش) البذيء، والذي أصبح الآن لفظا متداولا بشكل عادي، واعتبر عمرو ذلك نوعا من الجرأة يواكب تطور الحياة في المجتمع، ليخرج بعدها ويعتذر عندما خرجت جحافل السوشيال ميديا المتربصة لتسخر منه وتهاجمه!

محاولة فاشلة من عمرو يوسف لارتداء ثوب الفنان العميق الذي يتأمل مجتمعه، ويرصد مراحل التطور فيه.
 

والحقيقة أن نموذج الفنان العميق المتابع لتطورات المجتمع سياسيا واجتماعيا قد انتهى بعد جيل الفنانين نور الشريف ومحمود ياسين وأحمد زكي وصلاح السعدني، بل وعادل إمام الذي يصنف باعتباره زعيم هذا الجيل رغم بساطته وشعبيته، وقد روى الصديق بلال فضل في معرض ذكرياته مع عادل إمام، أن الرجل قاريء جيد جدا، ولا يخلو سريره من مجموعة كتب يقرأ دائما في واحدا منها حتى يغلبه النوم.

إن مشاهدة حوار واحد مع نور الشريف -على سبيل المثال- وهو يفاجئك بثقافة موسوعية، ليس في مجال الفن والسينما وحسب، بل في السياسة والاقتصاد والتاريخ أيضا، يكفي لكي تتأكد أن  على النجوم الحاليين أن يعرفوا قدرهم ويتوقفوا عن المساهمة في موجة العداء للفن والفنانين التي تسيطر على المجتمع..

ومن الأفضل لهؤلاء أن يتحلوا بفضيلة الصمت، عندما يتعلق السؤال بموضوع خارج مجالهم وفوق مستوى تعليمهم، وبالمناسبة إذا كتب أحدهم في جوجل كلمة (الصمت) ستكون نتيجة البحث الأولى هي (في كثرة الصمت تكون الهيبة)!

الجريدة الرسمية
عاجل