دقات خفية
كان الجميع في القرية يعرفون “العمّ مراد” بائع الساعات العجوز. محله الصغير يقع في شارع جانبي ضيق، بين محل أحذية قديم ومخبز تفوح منه رائحة الخبز الساخن كل صباح. لم يكن المحل يجذب الأنظار؛ واجهته باهتة، والزجاج الأمامي يحمل شقًّا قديمًا، أما الساعات المعلقة داخله فبعضها متوقف منذ سنوات.
ومع ذلك، لم يكن أحد يمر أمامه دون أن يراه مبتسمًا. كان مراد قد تجاوز السبعين، ضعيف السمع، بطيء الحركة، لكنه يحيّي كل عابر كأن الدنيا ما زالت في أولها. حتى الأطفال المشاغبون الذين يسخرون من ثيابه القديمة، كان يضحك لهم ويعطيهم قطع الحلوى الصغيرة التي يحتفظ بها في درج خشبي قربه.
وفي أحد أيام الشتاء، دخل إلى المحل شاب اسمه سامح. كان وجهه شاحبًا وعيناه متعبتين كمن لم ينم منذ ليالٍ طويلة. قال ببرود: هل تصلّح الساعات الرقمية؟ رفع العم مراد نظارته السميكة وقال مبتسمًا: أحاول يا ابني.. هاتها نرى.
أخرج سامح ساعة سوداء ووضعها أمامه. ظل العجوز يتأملها قليلًا ثم قال: تحتاج إلى يومين.. تنهد الشاب بضيق: لا بأس.. وبينما كان يهمّ بالخروج، سأله العجوز بهدوء: هل أنت بخير؟
ارتبك سامح قليلًا، وكأنه لم يتوقع السؤال. قال سريعًا: نعم.. بخير. لكن العم مراد ظل ينظر إليه بعينيه الهادئتين ثم قال: الإنسان حين يكون بخير، لا يحمل هذا التعب كله فوق كتفيه.
ساد الصمت للحظات. ثم جلس سامح فجأة على الكرسي المقابل وقال بصوت مكسور: أمي في المستشفى.. والأطباء يقولون إن حالتها خطيرة. أخفض العجوز رأسه قليلًا وكأنه يصلي في داخله، ثم قال: الرب يرافقك يا ابني.
ومنذ ذلك اليوم، صار سامح يمر على المحل كل مساء. لا يعرف لماذا كان يأتي. أحيانًا يتحدث، وأحيانًا يصمت فقط بينما العم مراد يصلح ساعات الناس في هدوء. وكان شيئًا غريبًا يحدث هناك. كل من يدخل المحل يشعر أن الوقت أبطأ قليلًا.. وأن قلبه أخف. وذات مساء ممطر، دخل سامح وهو مضطرب بشدة. قال: لقد تعبت.. تعبت من الصلاة. لا شيء يتغير.
ترك العم مراد المفك الصغير من يده ونظر إليه طويلًا ثم أشار إلى ساعة قديمة معلقة على الحائط. قال: هل ترى هذه؟ قال سامح: نعم. فقال العم مراد توقفت منذ عشر سنوات.
تعجب سامح: ولماذا تحتفظ بها إذن؟
ابتسم العجوز وقال: لأنها كانت لزوجتي.
ثم سكت لحظة وأكمل: بعد رحيلها، توقفت الساعة في نفس الليلة.. ومن يومها لم أشأ إصلاحها. سأل سامح بهدوء: لأنك تحبها؟
هز رأسه قائلًا: لأن بعض الأشياء لا يعيدها الإصلاح.. لكنها تبقى ثمينة.
شعر سامح بشيء يتحرك داخله. ولأول مرة منذ شهور، لم يحاول أن يقاوم دموعه. وفي الصباح التالي، توفيت والدته. اختفى سامح أيامًا طويلة، حتى ظن العم مراد أنه لن يعود. لكن بعد ثلاثة أسابيع، فُتح باب المحل ببطء، ودخل الشاب. كان أكثر هدوءًا.. لكن الحزن ما زال واضحًا في عينيه. قال: أمي رحلت.
خفض العم مراد رأسه بأسى: الرب يعزي قلبك.
ثم أخرج سامح من جيبه الساعة السوداء ووضعها على الطاولة قائلًا: جئت لآخذها.
فتح العجوز الدرج وأخرج الساعة بالفعل، لكنها كانت ما تزال متوقفة.
تعجب سامح: ألم تُصلحها؟
ابتسم العم مراد ابتسامة خفيفة وقال: أصلحتها منذ أيام.. لكنها توقفت ثانية.
ثم دفعها نحوه برفق وأكمل: يبدو أنها تشبهنا يا ابني.. أحيانًا نتوقف، ثم نعود، ثم نتوقف من جديد.
رفع سامح عينيه نحوه بصمت. فأضاف العجوز: المهم ألا نفقد القلب من الداخل.. ثم أمسك الساعة القديمة الخاصة بزوجته وقال: هناك ساعات تتوقف عقاربها.. لكن الوقت الذي صنعته داخلنا لا ينتهي أبدًا. ساد الصمت في المحل الصغير. وفي الخارج، كانت أمطار خفيفة تهبط على زجاج الواجهة القديمة.
نظر سامح حوله فجأة وسأل: منذ متى وأنت هنا وحدك؟
ضحك العم مراد قائلًا: لست وحدي أبدًا.
وأشار بعينيه إلى السماء هامسًا: “ها أنا معكم كل الأيام” (مت ٢٨: ٢٠).
في تلك اللحظة فقط، انتبه سامح إلى شيء لم يره من قبل. كل الساعات داخل المحل.. رغم اختلاف أوقاتها.. كانت تصدر النغمة نفسها.
