رئيس التحرير
عصام كامل

العصفور المنسي في زحام العالم

18 حجم الخط

 في قلب مدينةٍ لا تهدأ، حيث تتسارع الخطوات وتتصارع الأرواح في سباقٍ محموم نحو ما يسمى الأهمية، كان يعيش رجلٌ يُدعى إلياس. لم يكن إلياس من أولئك الذين تلتفت إليهم الرؤوس في الطرقات؛ فقد كان مجرد موظفٍ بسيط في أرشيفٍ قديم، يقضي جلّ وقته بين أكوام الورق المنسية، يجمع قصاصاتٍ من تاريخٍ لا يلتفت إليه أحد. 

 

في كثير من الأمسيات، كان إلياس يشعر وكأنه قصاصة ورق أخرى في هذا الكون الفسيح؛ ينظر إلى ناطحات السحاب، وإلى صخب القادة، وإلى بريق المشاهير، فيغشاه شعورٌ بالضآلة يكاد يكون موجعًا. 

 

كان يتساءل في صمتٍ مرير: إذا اختفيتُ غدًا، هل سيتوقف نبض هذه المدينة؟ هل سيلاحظ أحدٌ أن نغمةً صغيرةً قد فُقدت من سيمفونية الحياة؟. كان يشعر أن قيمته، كما تُقاس في سوق الحياة، ليست سوى رقمٍ ضئيل لا يُذكر في معادلة الوجود الكبرى.


وفي طريق عودته ذات مساء، استوقفه مشهدٌ في متجرٍ صغير لبيع الطيور؛ رأى في قفصٍ خشبي مهترئ عصفورًا صغيرًا، ريشه باهت، وعيناه غائرتان، يرتجف بصمت. كان التاجر يصرخ بصوتٍ جاف: خمسة عصافير بفلسين! من يشتري هذا الحطام؟. 

 

في تلك اللحظة، لم يرَ التاجر في العصفور إلا سلعةً رخيصة، قطعةً من الطبيعة تُباع لتسد جوعًا أو لتسلية عابرة. نظر إلياس إلى ذلك الكائن الصغير، وشعر برباطٍ وجودي يجمعه به؛ لقد أدرك أن هذا العصفور، تمامًا مثله، يُصنف في نظر العالم ككائنٍ رخيص، كائنٍ لا يستحق حتى عناء الالتفات أو عناء التفكير.


لكن، وسط ذلك الشعور بالعدم، انبعثت في ذهنه كلماتٌ قديمة كانت تتردد في أعماق روحه، كلماتٌ تملك قدرةً غريبة على قلب موازين المنطق البشري. تذكر قول السيد المسيح: "أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيًّا أَمَامَ ٱللهِ؟" (لو ١٢:٦). 

 

كانت هذه الكلمات بمثابة صدمةٍ للوعي؛ فهي لا تنفي حقيقة الفقر أو الضآلة المادية، لكنها تعيد تعريف القيمة من جذورها. إن المسيح هنا لا يتحدث عن اقتصاديات السوق، بل عن اقتصاديات السماء. هو يستخدم مثال العصفور الذي يقع في أدنى درجات التبادل التجاري ليقول لنا إن الرخص في نظر البشر لا يعني العدم في نظر الخالق.


إن المعضلة الإنسانية تكمن في أننا نعيش في عصرٍ يقدس القيمة التبادلية، حيث تُحدد قيمة الإنسان بناءً على ما يملكه أو ما ينتجه. إذا لم تكن ثمينًا بمقاييس النجاح، الجمال، أو النفوذ، ستجد نفسك وحيدًا في مواجهة شعورٍ قاتل بأنك منسي. 

 

أما منطق الملكوت الذي يقدمه لنا الإنجيل، فهو منطقٌ مختلف تمامًا؛ إنه يرتكز على أن قيمتنا ليست سعرًا يُدفع، بل هي هوية تُمنح. الله ليس إلهًا للأرقام الكبيرة والظواهر العظمى فحسب، بل هو إلهُ التفاصيل الدقيقة، وإلهُ النبضات الخفية، وإلهُ الأرواح التي تشعر بالوحدة في قلب الزحام.


إن كلمة منسي تعني في جوهرها فقدان الصلة، لكن في حضرة الله، لا يوجد كائنٌ خارج نطاق الرعاية. إن الله لا ينظر إلينا كأرقامٍ في إحصائية، بل كأبناءٍ له، لكل منا نغمةٌ فريدة في سيمفونية الوجود، نغمةٌ لو فُقدت، لظل اللحن ناقصًا.

لذا، فإن الرسالة التي يجب أن نحملها في قلوبنا هي أن قيمتك لا تُستمد من صخب العالم أو من نظرات التقدير البشرية، بل من حقيقة أنك معلومٌ ومحفوظٌ في عين الخالق التي لا تنام. لا تسمح لضجيج الحياة أن يقنعك بأنك مجرد عصفورٍ منسي؛ فالعناية الإلهية تدرك تمامًا قيمة ذلك العصفور الذي يظنه الجميع بلا ثمن.
Facebook.com/Dr.PaulaW

الجريدة الرسمية