رئيس التحرير
عصام كامل

فخ الامتلاء وفرح الاشتياق

18 حجم الخط

في إحدى المدن الصاخبة، كان يعيش رجل يدعى "منصور"، رجلٌ نال من حظوظ الدنيا ما لم ينله الكثيرون؛ فثروته تزداد، ومكانته الاجتماعية تتبوأ أعلى القمم، وكل ما تشتهيه نفسه من رفاهية هو بين يديه. لكن خلف هذا الستار البراق من الامتلاء، كان منصور يعاني من خمودٍ غريب في روحه.

لقد صار كل شيء بالنسبة له باهتًا؛ فالأطعال الفاخرة فقدت مذاقها، والنجاحات الكبيرة لم تعد تثير فيه أي نشوة، وحتى اللحظات الجميلة مع عائلته كانت تمر عليه ببرودٍ يشبه مرور الغيوم في سماءٍ رمادية. 

كان منصور قد وصل إلى حالة من التخمة الوجودية، حيث لم يعد هناك شيء جديد يدهشه أو يشبع توقه، حتى صار وكأنه يدوس على العسل دون أن يشعر بحلاوته، وكأن حواسه الروحية قد أصابها الشلل من فرط الاستهلاك.

وعلى النقيض تمامًا، كان هناك "يوسف"، الرجل الذي قضى معظم حياته في كفاحٍ مرير، يعيش في بيتٍ متواضع، ويواجه تقلبات الحياة بضيقٍ مادي واضح. لكن يوسف كان يمتلك شيئًا لا يملكه منصور؛ كان يمتلك جوعًا لا ينطفئ. 

لم يكن جوعًا للخبز فحسب، بل كان جوعًا للأبدية، وتوقًا مستمرًا نحو الحضور الإلهي. كان يوسف يجد في آية من الكتاب المقدس، أو في صلاةٍ خاشعة في جوف الليل، لذةً تفوق ما يصفه الملوك. كان يرى في أصغر نعم الله، حتى في لحظات الألم، حلاوةً عجيبة. 

لقد اكتشف يوسف السر الذي يغفل عنه الممتلئون: أن النفس التي تدرك فقرها الروحي هي الوحيدة القادرة على تذوق حلاوة السماء.

إن هذه المفارقة التي نعيشها ليست مجرد قصة خيالية، بل هي قانون روحي عميق صاغه سفر الأمثال ببراعة حين قال: "النَّفْسُ الشَّبْعَانَةُ تَدُوسُ الْعَسَلَ، وَلِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرّ حُلْوٌ" (أم 27:7) إنها تشرح لنا بدقة كيف تعمل النفس البشرية؛ فكلما امتلأ قلب الإنسان بممتلكات العالم، وصخب النجاحات المادية، والتعلق بالذات، كلما أصيبت حواسه الروحية بـ "التبلد". 

عندما تصبح الدنيا هي الملاذ والهدف، ينخفض صوت الله في داخلنا حتى يكاد يتلاشى، وتصبح الحقائق الروحية العظمى تبدو لنا مملة أو غير ذات صلة. الامتلاء المادي الزائد يخلق غشاءً سميكًا بين الإنسان وبين خالقه، غشاءً يجعل العسل مرًا لأن النفس لم تعد تشعر بالحاجة إلى شيء.

أما النفس التي تعيش في حالة جوع روحي صادق، فهي النفس التي تدرك أنها لا تستطيع أن تجد كفايتها في هذا العالم الفاني. هذا الإدراك بالفقر هو الباب الوحيد للغنى الحقيقي. فالمؤمن الذي يدرك حاجته الدائمة لنعمة الله، يجد في المرارة -سواء كانت تجربة، أو ضيقًا، أو صليبًا- حلاوةً لا توصف، لأن الله يحضر في وسط تلك المرارة ليغذي روحه. 

إن الجوع الروحي هو المحرك الذي يدفعنا للبحث عن وجه الله، وهو الذي يجعلنا نرى حلاوة الخلاص حتى وسط مرارة الآلام.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس في كيفية الحصول على المزيد، بل في كيفية الحفاظ على جوعنا المقدس. إننا نحتاج أن نحذر من فخ الامتلاء الذي يسرق منا القدرة على التذوق. 

فالحياة الروحية لا تزدهر بالتشبع مما هو زائل، بل بالاشتهاء لما هو باقٍ. لكي نسمع صوت الله بوضوح، يجب أن نخلق في قلوبنا مساحة من الفراغ، مساحة لا يملؤها إلا هو. فالمسيحية في جوهرها ليست دينًا من القواعد، بل هي علاقة قائمة على التوق والاشتياق؛ علاقة يجد فيها الجائع طعامه، والظامئ ماءً حيًا، والمنكسر حلاوةً لا تزول.

الجريدة الرسمية