رئيس التحرير
عصام كامل

الرجل الذي تأخر عن موته

18 حجم الخط

لم يكن الخطأ أنه عاش، بل أنه لم يمت في وقته. هكذا بدأت القصة، وهكذا فهمتها لاحقًا، لكن في ذلك اليوم، لم يكن يعرف شيئًا سوى أنه استيقظ. استيقظ ببساطة، كما يستيقظ أي إنسان، لكن الغرفة لم تكن غرفته، والضوء لم يكن ضوءه، وحتى جسده بدا وكأنه مستعار من حياة أخرى. 

جلس على السرير ببطء، يحاول أن يتذكر آخر ما حدث، لكنه لم يجد سوى فراغ نظيف، خالٍ من أي ذكرى، كأن حياته قد مُسحت بعناية دون أن تُترك فيها فوضى.


خرج إلى الشارع، فوجد المدينة تتحرك كعادتها، لكن الناس كانوا ينظرون إليه نظرة قصيرة ثم يصرفون أعينهم سريعًا، كأنهم لمحوا شيئًا غير مناسب في وجوده. لم يكن في ملابسه ما يلفت، ولا في ملامحه ما يُخيف، ومع ذلك، كان هناك خلل لا يُرى لكنه يُشعر. 

حاول أن يسأل أحد المارة عن المكان، لكن الرجل تجاهله، ليس عن قصد واضح، بل كما يتجاهل المرء شيئًا لا يستحق أن يُلاحظ.


استمر في السير حتى وجد مبنى حكوميًا صغيرًا، فوق بابه لافتة قديمة مكتوب عليها "مكتب التسويات". دخل دون أن يفكر، كأن قدميه تعرفان الطريق أكثر منه. في الداخل، كانت القاعة شبه خالية، إلا من موظف يجلس خلف مكتب خشبي، يقلب في ملفات سميكة بصبر بارد. رفع الموظف عينيه نحوه، ولم يبدُ عليه أي اندهاش، بل أشار له أن يقترب، كأنه كان يتوقعه.


قال له بهدوء: تأخرت. لم يفهم، فسأله عن ماذا يقصد، فأخرج الموظف ملفًا ووضعه أمامه، وفتح الصفحة الأولى. كان اسمه مكتوبًا هناك، واضحًا، كاملًا، ومعه تاريخان: تاريخ ميلاد، وتاريخ آخر.. كان يجب أن يكون تاريخ وفاته. نظر إلى التاريخ طويلًا، ثم قال بصوت متردد إن هذا خطأ، لأنه يقف أمامه حيًا. لكن الموظف لم يبتسم، ولم يجادل، بل قال ببساطة إن الخطأ ليس في السجل، بل في التنفيذ.


بدأت الأشياء تتضح ببطء مرعب. كان من المفترض أن يموت قبل ثلاثة أيام، في حادث لم يتذكره، وفي مكان لم يعد قادرًا على تخيله. كل ما حدث بعد ذلك.. لم يكن ينبغي أن يحدث. وجوده الآن ليس حياة، بل تأخير، والتأخير في هذه الأمور لا يُسمح به طويلًا. حاول أن يعترض، أن يقول إن الحياة لا تُدار بهذه الطريقة، لكن الموظف نظر إليه بنظرة شفقة خفيفة، كأن هذه الجملة قيلت من قبله كثيرًا، ولم تُغيّر شيئًا.


شرح له أن العالم يسير وفق توازن دقيق، وأن كل تأخير يُحدث خللًا. هناك أماكن شُغرت بموته، وأشخاص بدأوا حياة أخرى بعد غيابه، وقرارات اتُخذت على أساس أنه لم يعد موجودًا. وجوده الآن يُربك كل ذلك، كحجر صغير في آلة تعمل منذ زمن طويل. لم يكن السؤال إذًا هل يريد أن يعيش، بل هل يُسمح له بذلك.


نظر إلى يديه، كانتا حقيقيتين، دافئتين، تتحركان بإرادته. شعر بقلبه ينبض، وبنفسه يدخل ويخرج، فكيف يمكن أن يُقال له إن هذا ليس حياة؟ حاول أن يتمسك بأي دليل، بأي إحساس، لكن الكلمات التي سمعها كانت أقوى من إحساسه: ما تشعر به الآن هو بقايا، وليس أصلًا.


سأله الموظف إن كان قد لاحظ شيئًا غريبًا منذ استيقاظه، فتذكر نظرات الناس، التجاهل غير المبرر، الشعور بأنه زائد عن المكان. بدأ يدرك أن العالم لم يتعرف عليه لأنه لم يعد جزءًا منه. لم يُحذف، لكنه لم يُدرج أيضًا. كان شيئًا بين الحالتين، وجودًا مؤجلًا، بلا مكان واضح.


وُضع أمامه خياران، ليسا حقيقيين كما بدوا. الأول أن يُعاد كل شيء إلى ما كان يجب أن يكون عليه، أن يعود إلى لحظة موته ويكتمل الحدث كما سُجل، وكأن الأيام الثلاثة لم تكن. الثاني أن يبقى، لكن بثمن، أن يُعاد إدخاله في العالم كوجود جديد، بلا ماضٍ، بلا روابط، بلا اسم حتى، حياة تبدأ من الصفر تمامًا، دون أن يعرفه أحد أو يتذكره أحد، ودون أن يتذكر هو نفسه من كان.


بدا الخيار الثاني مغريًا في لحظة، فكرة أن يبدأ من جديد، أن يهرب من موته كما يهرب الإنسان من حكم قاسٍ. لكنه أدرك سريعًا أن البداية بلا ماضٍ ليست حياة، بل فراغ طويل، وأنه لن يكون هو، بل نسخة لا تحمل شيئًا منه. أما الخيار الأول، فكان يعني النهاية، لكنه أيضًا كان يعني أن كل شيء سيستقيم، أن العالم سيستعيد توازنه، وأنه سيأخذ مكانه الحقيقي.. حتى لو كان هذا المكان هو العدم.


سكت طويلًا، ثم رفع رأسه، ولم يكن في عينيه خوف كما توقع، بل نوع من الفهم المتأخر. قال بهدوء إنه لا يريد أن يكون خطأً مستمرًا. لم يُعلّق الموظف، فقط أغلق الملف، ووقف، وأشار له أن يتبعه. مرّا معًا عبر ممر ضيق، حتى وصلا إلى باب لم يكن مميزًا بشيء، باب عادي جدًا، كأي باب يمكن أن يُغلق على حياة كاملة دون أن يلاحظ أحد.


قبل أن يعبر، التفت للحظة، كأن هناك شيئًا يريد أن يتذكره، لكنه لم يجد شيئًا محددًا، فقط إحساسًا عامًا بأن هناك حياة كانت له، وأنها كانت تستحق أن تُعاش، حتى لو انتهت. ثم فتح الباب.


في الخارج، على طريق مزدحم، توقفت سيارة فجأة، وسمع الناس صوت ارتطام قوي. تجمعوا حول الجسد الملقى على الأرض، بعضهم حاول المساعدة، وبعضهم اكتفى بالنظر، كما يحدث دائمًا. وبعد دقائق، بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها، كأن شيئًا لم يحدث.. وفي مكتب التسويات، وُضع الملف في مكانه الصحيح، بعد أن تم تصحيح الخطأ.

الجريدة الرسمية