عن الأغاني في أغنية الموت والأميرة تنتظر
نستهل هذه القراءة في الدراما المسرحية بالغوص في كتابات اثنين من أبرز من مروا بتاريخنا الأدبي، وقد تركا إرثا ثقافيا مؤثرا، لا يزال يمثل مرجعا لكل متلقٍ يبحث عن المعنى الكامن بين الكلمات، لا ظاهرها.
وحين ننظر بعين فاحصة وقراءة سيميولوجية لنقارن بين الأغنية في مسرحتي أغنية الموت والأميرة تنتظر، سنجد أنه ليست كل أغنية تُغنّى صوتا، ولكن بعض الأغنيات تظل حبيسة معنى درامي، تحمل دلالة قد تتغير وتتبدل وفقا لبنية النص المسرحي ومدلولاته..
فتتحول من مجرد نغمة عابرة إلى حدث فاعل يحرك الأحداث أو يتحكم في مسارها.. هكذا كانت الأغنية في مسرحتي أغنية الموت لتوفيق الحكيم والأميرة تنتظر لصلاح عبد الصبور.
في أغنية الموت، تحمل الأغنية مفارقة درامية تضع المتلقي في حالة تساؤل بدءًا من العنوان: كيف ترتبط الأغنية، بوصفها رمزا للفرحة، بكلمة الموت أو معناها؟! وبالتدقيق قليلا في خلفية المسرحية ومرجعيتها نجد أنها تدور في صعيد مصر، حيث تُوظَّف الأغاني في أكثر من مناسبة، أغنيات لإعلان الفرحة، وأغنيات أخرى للحزن والغياب والرحيل والغربة، ولكن تظل المفارقة حية حتى تتكشف رمزياتها داخل النص.
قدم توفيق الحكيم أغنيتين داخل نصه المسرحي، وجعلنا قادرين على سماع صداهما رغم تباينهما واتفاقهما معا. في بداية المسرحية، تنتظر الأم قدوم ابنها الوحيد من القاهرة إلى قريته بالصعيد ليأخذ بثأر والده، خلاصا من حمل العار وتحقيقا للشرف.
ارتبطت الأغنية في البداية بقدوم فرحة للخلاص، وانتظار حدث سعيد سيحدث. بينما في نهاية المسرحية، ومع رفض الابن تنفيذ طلب أمه، تتجسد العقدة في خيبة أمل الأم في تحقيق حلم ظلت تحلم به طيلة سنوات شبابها، واهمةً أنه الخلاص من آلامها، حيث طغت فكرة الثأر لديها على أمومتها، وتحول رفض الابن إلى عار.
حينها ظهرت أغنية ثانية تشابهت في كلماتها، ولكن اختلفت في وظيفتها. جاءت الأغنية الثانية نهايةً مفتعلة وخادعة لآلام الأم، حيث تحولت من فكرة انتظار الأمل في تحقيق السعادة الحقيقية -من وجهة نظرها- بالتخلص من عار الثأر، إلى فكرة التخلص من عارها الجديد الذي تجسد في رفض ابنها لفعل القتل، وكأنها أرادت الحصول على شرف منسوج بأي شكل وحسب.
تحولت الأغنية من فعل خلاص إلى فعل انتقام من قاتل حلمها ومحطم صورتها في تحقيق أغنيتها المنتظرة، وإن كان ذلك الفعل ممزقًا لأمومتها. هنا طغت أنانيتها وجهلها على غريزتها الفطرية، وهنا تتبدل الأغنية في وظيفتها لا في صورتها. فتقول الأغنية:
يا خل كم عذر جدمنا إليك وتاب
لومك لما زاد مزجنا الجميص والتوب
أنا لما سمعت بالأب خجلي ما بجيش وصفه
وعيني الاتنين صبّوا على الخدين وصفوا
على الجانب الآخر، تقف أغنية القرندل في الأميرة تنتظر كرمز لاكتمال الحدث. هي أغنية ناقصة منذ البداية، ينتظر صاحبها نغمة شاردة أو إذنا بإكمالها. أراها قد تتخطى في رمزيتها لتشمل ارتباطا بعنوان المسرحية نفسه الأميرة تنتظر. فلم تكن الأميرة وحدها من تنتظر، فقد شاركها الانتظار القرندل أيضا، وإن اختلف الهدف وراء الانتظار.
الأميرة تنتظر حبيبا يتلهف قلبها ولعا له، خلاصا لها من عذابات فقده، وينتظر القرندل نفس الحبيب، ولكن لاستعادة شرعية مسلوبة وخلاصا أوسع في مدلوله. لم تكتمل أغنيته إلا بقتل السمندل، وتحقيق الخلاص للبلاد وللأميرة، بوصفه شخصا ثائرا على انقلاب غادر.
وإذا كانت الأغنية في مسرحية أغنية الموت تعلن التحول من الوصول إلى القتل، فإن أغنية القرندل عند الأميرة تنتظر تحمل نفس المأساة ولكن بصورة مغايرة في مضمونها. فأغنية الموت هي حقا أغنية للموت فعلا ومضمونا، بينما أغنية القرندل، وإن بدت من الخارج إعلانا لموت السمندل، وكان اكتمالها مرهونا بفعل القتل، إلا أنها في حقيقتها أغنية للخلاص، ومن ثم للفرحة، وإن كانت فرحة غير مدركة، وغير لحظية، وربما مؤجلة.
وفي النهاية، لا تبقى الأغنية مجرد نغمة مؤجلة، بل تصبح اختبارا للمعنى. فهل يتحقق المعنى حين يُسمع؟ بين أغنية تعلن الوصول ثم القتل، وأغنية لا تكتمل إلا بتحقيقه، تتجسد تراجيديا النصين، وتترك المتلقي في سؤال مفتوح: كيف له أن يصيغ ويصغي لأغنيته الخاصة بأقل ثمن مجبر أن يدفعه؟
