رئيس التحرير
عصام كامل

ماذا لو؟! سؤال الحياة

18 حجم الخط

ماذا لو أُتيحت للإنسان فرصة اختيار مسارات حياتية بديلة؟! من هذا السؤال تنطلق فكرة العرض المسرحي "ماذا لو"، بوصفه تجربة مسرحية مستلهمة من رواية "مكتبة منتصف الليل" للكاتب الإنجليزي المعاصر "مات هيج"، بمعالجة مسرحية فلسفية لاحتمالات الوجود في عوالم موازية لاختيار المصير الإنساني.

العرض الذي قُدِّم في إطار مهرجان المسرح العالمي في دورته الـ41، دورة الفنان الدكتور سامي عبد الحليم، على مسرح المعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون.

المثالية، الاغتراب النفسي، البحث عن الهوية، هي أفكار طرحها العرض عن طريق إعادة صياغتها عبر بنية درامية مسرحية تعتمد على التقطيع الزمني والتوازي الدرامي. تتجسد هذه الفرضية من خلال شخصية "نورا" التي تتحرك بين عوالم متعددة في فضاء أقرب إلى الحلم، حيث تتقاطع الأزمنة والهوايات في بناء بصري وسمعي متداخل.

تناغم الأداء التمثيلي بين الحركة والإيقاع الداخلي في محاولة لكسر النمط الواقعي التقليدي، من خلال الأداء التعبيري في بعض المشاهد، غير أن الإيقاع تعرّض في منتصف العرض لبعض الترهل، إلا أنه استعاد تماسكه في نهايته مع تبلور الرؤية في تأكيد تقبّل الحياة كما هي، دون سعي مبالغ فيه نحو مثالية مصطنعة.

على مستوى الإخراج، تبنّى العرض رؤية تقوم على التلاحم بين الفضاء المسرحي بوصفه حاملًا للمعنى، حيث تحولت المكتبة إلى رمز مركزي يعكس البحث عن الهوية والتردد في قبول الذات. وُظِّفت تقنية الـ Photo Montage لخلق مستويات متعددة من الإدراك، مما أضفى على العرض بُعدًا سينمائيًا دون أن يفقده هويته المسرحية.

قدّمت السينوغرافيا لوحة بصرية مميزة، ويمكن القول إنها كانت أكثر عناصر العرض قوة وتميزًا، حيث اتخذت من شجرة ضخمة تتوسط عمق المسرح محورًا دلاليًا، في إحالة رمزية إلى الزمن والتجذّر كرمز للحياة، ورغبة في الوصول إلى هوية ذاتية متوازنة ومُرضية. 

وقد تضافرت عناصر الإضاءة المميزة من تصميم محمود الحسيني كاجو، والديكور لـ سعد الدين علي، والملابس لـ هبة الليبي، لتشكّل عالمًا خياليًا متناغمًا يقترب من الفانتازيا، بالإضافة إلى بعض الرقصات الجيدة التي كان من الممكن توظيفها بشكل أفضل مما قُدِّمت به.

حافظ العرض في معالجته على روح الرواية، مع التركيز على تيمة الاختيار والتردد والندم، من خلال حوار اعتمد على التأملات الفلسفية بلغة تمزج بين اللحظات الإنسانية والكوميديا، التي أراها قد تطرفت نحو الفارس كوميدي في بعض المشاهد، فابتعدت قليلًا عن عمق الفكرة.


“ماذا لو” عرض كوميدي فلسفي حاول أن يلمس أسئلة وجودية، مستندًا إلى نص أدبي ثري كان من الممكن استغلاله بشكل أكثر عمقًا وتكثيفًا، لكنه نجح في خلق تجربة بصرية ممتعة، كونه أحد التجارب الشبابية التي تحاول كسر القوالب التقليدية واتباع أساليب معاصرة. العرض من إخراج ماركو نبيل، وترجمة محمد الضبع.

هكذا يترك العرض سؤالًا مفتوحًا: هل تكمن السعادة في تغيير المسار، أم في فهمه وتقبّله؟!

الجريدة الرسمية