رئيس التحرير
عصام كامل

هيباتيا.. تعود

18 حجم الخط

بين القاهرة والإسكندرية، امتدت فعاليات أسبوع هيباتيا للمرأة الذي تنظمه، كجسر ثقافي يربط بين الحاضر والماضي بجذوره الفكرية العميقة.

خرجت كيمت من مدينة الحضارة والفنون، الإسكندرية، حيث تتقاطع الفلسفة مع الفن، والإبداع مع الثقافة، في الوقت الذي حمل فيه الأسبوع الثقافي اسم الفيلسوفة السكندرية هيباتيا، التي وُلدت في أواخر القرن الرابع الميلادي في مدينة كانت آنذاك واحدة من أهم مراكز العلم في العالم القديم.. فأصبحت هيباتيا رمزا للمرأة المفكرة المستقلة.

أسبوع هيباتيا ليس مجرد حدث فني عابر، بقدر ما هو حالة ثقافية متكاملة، تشاركت فيها السينما مع الفنون التشكيلية والموسيقى لصياغة خطاب جديد حول المرأة، وجعلها مشاركة في هذا الخطاب وصانعة لدلالاته، من خلال تجربة حقيقية وواعية متعددة الأوجه.

فالمشاركات السينمائية لم تكتفِ بسرد حكايات نسوية، بل أبرزت تجارب مخرجات ساهمن في إثراء الحركة الفنية. تنوعت الأفلام بين الروائية والتسجيلية الوثائقية، وما أضاف بُعدا رائعا للتجربة هو الامتداد الحواري الذي يليها، من خلال تلقي الأسئلة وفتح باب المناقشات حول هذه العروض، مما أعطى الجمهور مساحة للمشاركة، وجعله شريكا في إنتاج المعنى مع صناع الأعمال.

على جانب آخر، اتسعت التجربة داخل فضاء الفن التشكيلي من خلال معرض أصداء، الذي لم يقدم أعمالا جمالية فحسب، بل طرح أسئلة بصرية متنوعة حول كيفية تمثيل المرأة، وكيف يمكن للعالم أن يراها.. كما تنوعت الأمسيات الموسيقية التي جاءت امتدادا إنسانيا ممتعا للتجربة، امتزج فيها حضور المبدعات الراقي صوتا وجسدا وإحساسا.

لم يغفل أسبوع هيباتيا اللقاءات الفكرية والمناقشات الثقافية، من خلال سلسلة منظمة من الندوات والحوارات التي جمعت بين الفنانين والمثقفين والأكاديميين، وكذلك إقامة الورش الفنية المختلفة لإثراء التجربة وفتح باب المشاركة الحر للفتيات والسيدات. 

تنوعت الورش بين التمثيل والفنون التشكيلية والموسيقى وغيرها، والتي أُقيمت بين الإسكندرية والقاهرة، وإن كنا نتمنى أن تحظى القاهرة بفرص أكبر من تلك الورش والفعاليات في السنوات القادمة.

ما يميز أسبوع هيباتيا هو قدرته على المزاوجة والموازنة بين المحلي والعالمي، حيث استضاف فنانات من جنسيات مختلفة، وبرغم ذلك استطاع أن يحافظ على هويته العربية. كما حاول أن يستخدم أسلوبا فنيا معاصرا، ويستفيد من شراكاته الدولية، ليقدم نموذجا لخطاب ثقافي منفتح لا يفقد هويته.

أخيرا، لا يمكن القول إن هذا الحدث حدث عابر، بل هو مشروع جاد لإعادة كتابة موقع المرأة داخل المشهد الثقافي، تأكيدا على أن الفن قوة ناعمة قادرة على تشكيل وعي الأجيال، وإعادة اكتشاف وتقديم التراث بشكل جديد يفتح آفاقا أوسع للفكر والثقافة والفنون.

الجريدة الرسمية