في ذكري ميلاده
صلاح عبد الصبور.. فارس الحداثة الأدبية
مع اقتراب الثالث من مايو، تستعد الساحة الأدبية لاستقبال ميلاد الشاعر والمسرحي الكبير صلاح عبد الصبور، أحد أهم وأبرز رموز الحداثة الأدبية والذي احدث تحولات جوهرية في بنية الشعر العربي وإعادة تشكيل المسرحية الشعرية، فقد تجاوز مسرحه الشعري الحدود الكلاسيكية التي انتهجها أحمد شوقي ومن تبعه، لينتقل به لفضاء فلسفي جديد يفتح أسئلة إنسانية أكثر عمقا واتساعا.
ولد صلاح عبد الصبور في الثالث من مايو عام 1931 بمدينة الزقازيق، وتخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1951، وارتبطت تجربته الشعرية بالقصيدة الحرة وتوظيفها في كتابة مسرحياته الشعرية والتي تعتبر ذروة مشروعه الفني، حيث استطاع أن يطرح عبر أعماله مثل مأساة الحلاج، ومسافر ليل، وبعد أن يموت الملك، والأميرة تنتظر، رؤية تراجيدية حديثة ذات بعد فلسفي معاصر.
وتعد مسرحية الأميرة تنتظر من أكثر نصوصه كثافة رمزية وإنسانية، فهي مسرحية تراجيدية رومانسية من فصل واحد يتداخل فيها الأزمنة النفسية مع الزمن الدرامي، ويتحول فيها الحدث الواحد إلى دائرة مغلقة من الأسئلة حول الذنب والعقاب والخلاص والتطهير.
من بداية العنوان يضع عبد الصبور المتلقي أمام البنية المركزية للنص "الأميرة تنتظر" والذي يطرح عدة أسئلة تحمل رمزياته، الانتظار هنا ليس فعلا مجردا بل جوهر الوجود التراجيدي لشخصية الأميرة، هو وسيلة التطهير..
واختيار الفعل المضارع "تنتظر" يمنح الانتظار زمنا مفتوحا يعبر عن الاستمرارية، وكأن الأميرة محبوسة داخل زمن نفسي لا ينتهي، الانتظار هنا ليس انتظارا للحبيب الغائب فقط، بل هو انتظار للخلاص والغفران واستعادة ذاتها المفقودة.
فخلال خمسة عشر عاما تعيد تمثيل جريمتها كل ليلة في طقس دائري بالغ القسوة، وكأنها تحاول عبر هذه المحاكاة المستمرة أن تغسل وتطهر نفسها دون جدوى.
يوظف صلاح عبد الصبور تقنية "المسرح داخل المسرح" بشكل يخدم فكرة مسرحية الفصل الواحد، فهو يعطي الفرصة لسرد أحداث من الماضي لم نرَها تكثيفا للوقت واستغلالا لوحدة المكان، وجعل من إعادة تمثيل الماضي فعلا دراميا وكشفا نفسيا في آن واحد.
الوصيفات لسن مجرد شخصيات ثانوية، بل يمثلن الوعي الجمعي الأنثوي ويجسدن الوفاء والمشاركة الوجدانية فيتحول انتظارهم لطقس جماعي يعمق الإحساس بالمأساة.
خمسة عشر عاما من المحاكاة ولكن تلك الليلة يقطع تلك المحاكاة صوت الريح لم تعلم الأميرة ولا الوصيفات أن كانت تلك الريح ريح شؤم أم بشارة، كل ما حدث أنها كانت ريح لتغير أمر خطير، يتبع تلك الريح صوت خطى غير معتاد ولكنها ليست خطى الحبيب المنتظر، بل خطى غريبة ليست مألوفة على المكان.
بظهور القرندل والذي يحمل اسمه دلالة للخادم المخلص الزاهد المضحي بغير مصلحة، والذي ربما لم يكن ذلك اسمه الحقيقي حيث وضح ذلك من خلال سؤاله عن اسمه فجاء رده "اليوم.. قرندل" أي أنه اختار له اسما يحمل صفة ولكن الأميرة لم تفطن لها.
القرندل هنا هو رمز للثائر الذي ذهب ليسترجع العرش لصاحبته، هو كان يعلم أن الحبيب سيأتي الليلة لذلك أراد أن يكمل أغنيته في أرضها، أرض تعرف لغتها وكأن تلك الأغنية طقسا مكملا للخلاص، خلاص الوطن وخلاص الأميرة..
فكان من الممكن أن يتخلص القرندل من السمندل في أي مكان آخر، ولكنه اختار كوخ الأميرة لتكتمل أغنيته بمواجهة السمندل والأميرة الأخيرة، التي تأكدت فيها من كذب وتلاعب السمندل ذلك الحارس القاتل الذي أوقعها في شباكه عندما كانت مراهقة صغيرة باسم الحب حتى تمكن من مقتل الملك والاستيلاء على الحكم بمساعدتها..
الأميرة تعلم بأنه تلاعب، الأميرة تعلم بأنه كذب، وبرغم ذلك تسترت على فعلته واجلسته على عرش فقيدها، ولكنها لم تستحمل مأساتها فهربت، خمسة عشر خريفا وهى تنتظر حبيبا تعرف أنه المجرم فلم يطهرها العقاب من إثم غفلتها وسذاجتها بعد!
جاء القرندل ليتم أغنيته بلحن موجع ولكنه صادق، فبقدوم السمندل ذلك المجرم والذي يحمل اسمه دلالة الوصولية والتملق، كما فعل مع اميرته قبل السنوات الخمسة عشر وبعد رجوعه أيضا، ظل متملقا مستمرا في اكاذيبه ولكن تلك المرة كانت الأميرة تعرف أنه يكذب وبرغم ذلك انتظارها كل تلك السنوات كانت شفيعا له لأن تتغافل وتوشك أن ترجع معه لدعمه، هنا يبدأ القرندل في العزف منفردا يغرد تغريدته الأخيرة عندما يرى ظله بعيني السمندل ويقتله.
بقتل السمندل يستلقى على نفس الطاولة التي مثلت عليها جريمة قتل الملك، نفس الطاولة التي استلقت عليها الأميرة محاكية استسلامها له.
اكتملت أغنية القرندل بتخلصه من السمندل، ولم يرحل إلا بعد نصيحة الأميرة بأن تعود امرأة لا مراهقة، وأميرة لا فتاة هاربة بين أشجار السرو، تطارد شبح أبى أن يرجع إليها إلا بعد أن أراد العودة للحياة !
في "الأميرة تنتظر"، يبرهن صلاح عبد الصبور على قدرته الفريدة في توظيف الشعر لخدمة الدراما، وفي تحويل المسرحية الشعرية إلى نص فلسفي وإنساني بالغ العمق.
هكذا يبقى صلاح عبد الصبور، في ذكرى ميلاده، حاضرا بوصفه شاعرا للمأساة الإنسانية، ومجددا في بنية المسرح الشعري العربي، وصوتا أدبيا خالدا.
