رئيس التحرير
عصام كامل

الأطباء بين زاهد وطامع

18 حجم الخط

احتفلنا به على طريقتنا، وكان قد حدد يوم الجمعة موعدًا، وطقوسنا بمن نحتفل في هذا اليوم لم تتغير منذ سنوات.
المحتفى به كان العالم الكبير الدكتور أحمد شقير أستاذ جراحة المسالك البولية بمركز أمراض الكلى بجامعة المنصورة، والمعروف بمركز غنيم نسبة لمؤسسه العالم الكبير الدكتور محمد غنيم..

 

أما سبب الاحتفال بالدكتور أحمد شقير فكان إنجازًا عالميًا أضيف إلى سجل إنجازاته، حيث قاد برنامجًا في زمالة الأبحاث الإكلينيكية، وهو برنامج دولي متقدم في مجال تأهيل الباحثين، والدكتور شقير نال من الجوائز في الداخل والخارج الكثير، وهو الأول في مجاله إفريقيًا وعربيًا، كما أنه عمل مديرًا لمركز الكلى عدة سنوات.


لم يتقاض الرجل جنيهًا واحدًا من مريض طوال مسيرته، لأنه لا يمتلك عيادة من الأساس، فقد اكتفى بعمله في مركز الكلى، وبأبحاثه التي تحتفي بنشرها كبرى المجلات العلمية، وبمحاضراته في الخارج، وتدريبه المتواصل للباحثين.


أعود إلى برنامج إحتفالنا به، حيث كانت البداية بالفطار في مطعم الفول والطعمية الشهير بحي السيدة زينب، إفترشنا ركنًا على رصيف الشارع، وحاولنا تجنيب الدكتور شقير هواية العصافير التي تسكن الشجرة المجاورة لنا.. لكننا فشلنا، حيث نجحت العصافير في التصويب على مناطق متفرقة في الجاكيت، وهو ما اعتبره الرجل فألًا حسنًا (كسوة جديدة في الطريق إليه).


انتقلنا بعد الفطار لتناول الشاي في مقهى على نفس الرصيف، واستمعنا منه لحكايات كثيرة بعضها كانت عن مرضى الكلى البسطاء الذين يأتوه من أنحاء الريف، وعن غيرهم الذين يأتوا من الخارج لثقتهم في المركز، ثم قمنا إلى صلاة الجمعة في مسجد السيدة زينب، بعدها كانت جولتنا المعتادة في شوارع وسط القاهرة، ثم انصرفنا وانصرف الدكتور شقير ليعود إلى المنصورة.


في اليوم التالي علمت بمرض أحد أصدقائي فذهبت لزيارته في المستشفى، طلب صديقي الذي يروح بين الحين والآخر في غيبوبة أن أنقله إلى منزله، لأن تكلفة إقامته في هذه المستشفى تصل إلى مائة ألف جنيه يوميًا، وقد أمضى فيها عشرة أيام، ولو استمر سوف يبيع أثاث منزله بعد أن أنفق (شقى سنوات شبابه في الغربة).

 
نقلناه إلى المنزل، وتواصلنا مع طبيب مصري يقيم في ألمانيا يأتي إلى القاهرة مرتين في الشهر لإجراء جراحات في بعض المستشفيات، طلب الطبيب سرعة نقله إلى إحدى المستشفيات التي يتردد عليها، على أن يأتي هو بعد يومين لتشخيص حالته، نقلناه، وجاء الطبيب، وشخص الحالة، ونصح بإجراء جراحة في اليوم التالي.. 

 

وافقنا، فطلب تحويل مليون ومائتي وخمسين ألف جنيه إلى حسابه، ومائتي وخمسين ألفًا يتم تحويلها لحساب المستشفى، رفض صديقي، لكن زوجته وأبناءه نفذوا تعليمات الطبيب الذي لم يقبل مني تفاوضًا ولا أعذارًا (هذه أسعاري ولو مش عاجبكم أنتم أحرار، وعليكم بإتخاذ القرار خلال ساعة لأني سأعود إلى ألمانيا بعد 24 ساعة).


كان طبيعيًا أن أضع الطبيب في مقارنة مع الدكتور أحمد شقير، تفاصيل إحتفالنا به، وبساطته في كل شيئ، وحكاياته الإنسانية مع مرضاه الفقراء، لقد أجرى الرجل آلاف الجراحات، وزرع مئات الكلى ولم يتقاض إلا راتبه من الجامعة، وعشر عمليات زراعة كلى فقط كفيلة بنقله من العيش في شقته المتواضعة إلى العيش في أفخم القصور..

تذكرت وقوف الدكتور شقير أمام العمارات العتيقة في وسط القاهرة، وإنبهاره بالشوارع وكأنه يراها لأول مرة، وتذكرت مقولته التي سكنت ذاكرتي: مصر دي عظيمة يا جماعة، وناسها طيبين ويستاهلوا كل خير.
عرفت الفرق بين الطب كرسالة، والتجارة في الطب، وعرفت الفرق بين الطبيب الزاهد.. والطبيب الطامع.

الجريدة الرسمية