آفة مجتمعنا النسيان
بعد أيام.. سوف ينتهي الحديث عن بسنت، وتطوى صفحتها كما انطوت صفحات حوادث مماثلة، وربما أشد قسوة.. سوف ننشغل بقضية جديدة، وننفعل بها، ثم نطوي صفحتها، وهكذا.. ننفعل ثم نطوي.. وسوف نجد من يبادر بالهجوم على الجاني، ومن يبادر بالتبرع لأسرة الضحية، ليتحول المهاجم والمتبرع إلى تريند ننشغل به هو الآخر، كما ينشغل أهل المتوفي عن مصابهم بالمعزين.
بسنت واحدة في قائمة تضم ملايين المطلقات، أغلبهن يعاني من جحود زوج.. أو تنمر مجتمع.. أو ابتزاز من أصحاب النفوس المريضة.
بسنت استنفدت مخزون الصبر، وخارت قواها، واختارت تلك النهاية المأساوية، وما نتمناه ألا ينفد صبر مثيلاتها في قائمة الملايين، التي تتزايد بشكل ملحوظ لأسباب مختلفة.
لن أتوقف طويلًا أمام مأساة بسنت، فما قيل فيها يكفي، لكنني أتوقف أمام انفعال المجتمع والمسؤولين ثم طي صفحة ما انفعلوا به، وتلك عادة يعيشها الصحفيون الذين دأبوا على العمل في الإعلام الخدمي.
وهنا.. تأخذني الذاكرة إلى العديد من النماذج التي أفسحت لها المجال لتقديم شكاواها، ثم صدمتني النتائج بعد إنفعال المسؤولين والمواطنين بالشكاوى.
شاب تخرج في إحدى كليات القمة، ولم يجد عملًا لينفق على أسرته إلا في مجال النظافة بأحد الفنادق.. كان أحد الأثرياء يقيم في هذا الفندق مع أسرته وحاشيته، ومعهم يقيم مجموعة من الكلاب الشرسة التي يهوى هذا الثري تربيتها.
نهشت الكلاب جسد الشاب وهو ينظف الطرقة المؤدية إلى جناح الأسرة، وكانت النتيجة إدانة الشاب، وعندما احتج.. تم طرده من الفندق فخرج باكيًا إلى أقرب مستشفى، علمت بالواقعة فأرسلت أحد الزملاء ليأتي به إلى الشاشة مباشرة، تحدث الشاب فأبكى الملايين، واستقبلنا مئات الاتصالات التي طلب أصحابها مساعدته، منهم من وفر له وظيفة، ومنهم من تكفل بعلاجه، ومنهم من طالب بعلاج والدته، ومنهم من تكفل على الهواء بالمساهمة في تعليم أشقائه.
وأكثر ما يسعدني وفريق العمل.. كان هذا التفاعل، وهذا العطاء، وكان أشد ما يؤلمنا.. عدم الوفاء بالعهود التي تلقيناها على الهواء، وقد تألمنا في اليوم التالي، لأن الوعد الوحيد الذي تحقق هو علاج الشباب من أثر نهش الكلاب لجسده.
واستضفنا مطلقة تعول ثلاثة أبناء مكفوفين، كانت تخدم في المنازل لتنفق عليهم حتى تخرج الثلاثة في الجامعة، توالت الاتصالات على الهواء وجميعها تطلب مساعدة الأم وأبنائها، وتبخرت وعود المسؤولين والمتبرعين.
واستضفنا مطلقة تتولى تربية أبنائها الأربعة بعد أن انصرف عنها زوجها دون رجعة، وانهالت التبرعات من مسؤولين ومواطنين، ثم تبخرت في اليوم التالي.
واستضفنا فقيرا كتب على نفسه شيكات بمبالغ كبيرة بعد أن صدم شاب بسيارة كان يعمل سائقًا عليها، ويومها تلقيت اتصالًا على هاتفي من رجل الأعمال مصطفى السلاب رحمه الله ليطلب دفع قيمة الشيكات، كما طالب بعدم ذكر اسمه، وفي اليوم التالي أرسل محاميه بالمبلغ المطلوب لينقذ السائق من السجن.
خلاصة القول: وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.. بلغت حالات الطلاق العام قبل الماضي 273892 بزيادة 3 ٪ عن العام السابق له، لينضم هذا العدد إلى تلك القائمة الطويلة التي تضم الملايين، وبالنأكيد هناك ألف بسنت في هذه القائمة، وحتى لا نعيش نفس المأساة، وننفعل ثم ننسى وتلك آفتنا..
أتمنى أن تسرع الحكومة بتنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية وتقدم مشروعات قوانين الأسرة للبرلمان تمهيدًا لإقرارها.
