48 ساعة عصيبة!
عاش كوكب الأرض، شماله وجنوبه شرقه وغربه ثماني وأربعين ساعة من الجزع والترقب، زادت حدتهما كلما أزف الوقت وتدحرج نحو الساعة الأخيرة التي أعلنها طاووس الكوكب النرجسي المختال دونالد ترامب نهاية وجود حضارة اسمها إيران، إن لم تخضع وتفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية..
عاشت الدنيا على أعصابها حتى بقيت أربع ساعات تقريبا على الساعة الثامنة بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، عندنا الثالثة فجرا، ومع دقات الساعة الثانية عشرة، منتصف الليل فاجأ ترامب البشرية بأنه وافق على تعليق العمليات العسكرية وإرجاء الهجوم التدميري الكاسح للدولة الإيرانية لمدة أسبوعين، لمنح المفاوضات فرصة لإنهاء الحرب والاتفاق على سلام مستدام..
تنفسنا الصعداء، أخرجنا الهواء المخلوط بالتوتر والقلق، هواء أسود من شدة الاحتقان، أخرجناه وملأنا الصدور بهواء الأمل في الأمان.. ما من إنسان إلا وكان لديه تصور كامل عما سيحدث إذا نفذ ترامب جنونه ودمر كل ما تملكه ايران فيلقي بها كما توعد إلى العصر الحجرى..
ساعتها كان خيار شمشون هو البديل، فإيران لن تموت وحدها بل الإقليم كله، أهلنا في الخليج، ولو ضربت مفاعل ديمونة الإسرائيلي في النقب لوصلنا في مصر الإشعاع وانتشر الموت والظلام..
مجرد تعليق الضرب والحرب لأسبوعين أسعد الملايين، وهبطت أسعار نفط تكساس 10٪، وتفشي شعور عارم بالفرح، ومع الوقت تكشفت المقترحات العشر الإيرانية التي قال عنها ترامب إنها تصلح أساسا جيدا للتفاوض، ولذلك أعلن موافقته على تعليق هجمات إعادة إيران الحضارة إلى عصور الإنسان الأول..
إيران قدمت عشرة طلبات وترامب قدم خمسة عشر طلبا، وكان الوسطاء رئيس حكومة باكستان ووزير خارجية مصر بدر عبد العاطي، وتركيا بطبيعة الحال، ومع إعلان كل طرف عما يريده من الطرف الآخر، ساد نزوع هيستيري لتفسير ما جرى على أنه انتصار..
خرج الإيرانيون إلى الشوارع فرحين مهللين مكبرين حاملين الأعلام، كأن إيران لم تخسر شيئا، المهم أن المرشد والحرس على قيد الحياة، كما انتشى ترامب وتمدد خيلاؤه واستطالت رقبته وتاه زهوا، وهو يطلق على نفسه لقب الرئيس العظيم، “هل رأت أمريكا رئيسا في مثل عظمتي”!
نام العالم راضيا إلى حد كبير، ومع الصباح فوجئ الخليج بالصواريخ والمسيرات الإيرانية تمطر الكويت والإمارات والسعودية والبحرين بهجمات كثيفة، في خرق واضح لاتفاق وقف النار من الجانبين، من طهران ومن واشنطن، فلماذا فعلت إيران ذلك، في دول لم ترد حتى اللحظة بطلقة واحدة؟
بالأرقام يتبين أن إيران هاجمت الشقيقات في الخليج بثلاثة أرباع الصواريخ والمسيرات، بينما تلقت إسرائيل الربع فقط، يعني 25٪ فقط.. غدا الجمعة، يتقابل الوفدان وجها لوجه علي الطاولة الباكستانية في إسلام أباد العاصمة، وهو أول لقاء مباشر منذ الغدر الأمريكي قبيل شن الهجوم الكاسح في الثامن والعشرين من فبراير الماضي..
وحتى هذه اللحظة يتشكك الإيرانيون في نوايا ترامب وخداعه، ومن ثم لم يفرطوا بعد في ورقة مضيق هرمز، والظاهر أن ترامب ألمح لهم أنه يمكن أن تكون هناك إدارة مشتركة، أي يشاركهم تحصيل رسوم العبور!
الطرفان إذن يعلنان النصر والفوز، طالما أن إيران احتفظت بنظام الولي، والخرائب، وطالما أن ترامب دمر وخرب ونسف لحساب إسرائيل، والخاسر الوحيد في المنطقة هو العرب، الذين ليسوا طرفا في حرب اسرائيلية بكل المقاييس.. نتابع ما يحدث غدا.. رغم أن النيران لاتزال طافية، ينفخ فيها بنيامين نتنياهو..
