رئيس التحرير
عصام كامل

الاقتصاد المصري يدفع ثمن أوهام الحكومة

18 حجم الخط

بين أروقة المكاتب الحكومية التي يسكنها الصمت المريب، وأنين الشوارع التي يمزقها جنون الأسعار، تقف مصر في ربيع عام 2026 وكأنها تواجه إعصارًا كاملًا لم تدعُ إليه، لكنها -بكل أسف- لم تستعدّ لمواجهته بما يليق بوطنٍ يمتلك عبقرية الجغرافيا وتاريخًا طويلًا من الكفاح والصمود.. 

 

إن المشهد الراهن، الذي يهيمن عليه دوي القصف والقذائف في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو انكشاف فاضح لهشاشة السياسات و"المصدات" التي تباهت الحكومة والمجموعة الاقتصادية ببنائها لسنوات، فإذا بها تتهاوى كبيوت الرمل عند أول اختبارٍ حقيقي للسيادة الاقتصادية ومع أول شهر من الحرب الدائرة في الإقليم.

شماعة الظروف الإقليمية

لم يعد من المقبول، ولا من اللائق سياسيًا، أن تظل حكومة الدكتور مصطفى مدبولي تعزف على وتر الظروف الاستثنائية لتبرير فشلها في لجم غول التضخم، فالحروب في هذا الإقليم ليست حدثًا طارئًا، بل هي ثابت جيو-سياسي، كان ينبغي وضعه في صلب أي استراتيجية اقتصادية رصينة منذ سنوات، إن الركون إلى فكرة أننا ضحايا للأحداث الدولية هو هروب للأمام، واعتراف ضمني بالعجز عن صناعة البدائل.

 

حين يخرج علينا رئيس الوزراء ليعلن بلهجة الصدمة أن فاتورة الطاقة قفزت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، فإنه لا يقدم كشف حساب لنجاحه، بل يقدم شهادة فشل لسياسة تأمين الاحتياجات التي ارتهنت كليًا لتقلبات الأسواق العالمية.. 

 

كيف لدولة بحجم مصر، تمتلك من الموارد ما يؤهلها للريادة، أن تظل مكشوفة الظهر بهذا الشكل؟ أين هي وعود الاكتفاء الذاتي من المواد البترولية التي أطلقها الدكتور مدبولي منذ سنوات بكل ثقة في مجلس النواب؟ وأين هي بدائل الإنتاج التي كان من المفترض أن تخلق حائط صد يحمي المواطن البسيط من تقلبات سعر برميل النفط الذي تجاوز حاجز الـ 120 دولارًا بفعل نيران الخليج قبل أن يتراجع حاليًا إلى نحو 110 دولارات؟

 

أوهام سعر الصرف المرن

سقطت ورقة التوت عن أسطورة سعر الصرف المرن، إن وصول الدولار في البنوك الرسمية إلى مستوى 55 جنيهًا لأول مرة في التاريخ، ليس مجرد رقمٍ عابر على شاشات التداول، بل هو زلزال يضرب أساسات البيت المصري في مقتل.. 

 

هذا الانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية –والذي بلغت نسبته 14% في غضون أسابيع قليلة– هو اعترافٌ صارخ بأن ما تصفه الحكومة بـ الإصلاحات الهيكلية لم يكن سوى مسكنات جراحية في جسدٍ يعاني من نزيفٍ حاد في الإنتاج الحقيقي.

 

إن المجموعة الاقتصادية، التي تضم وزراء يبدو أنهم يقرأون أرقامًا غير التي نعيشها في الأسواق، راهنت لسنوات على الأموال الساخنة التي هربت مع أول طلقة رصاص في مضيق هرمز، وتركت الجنيه وحيدًا يواجه مصيره أمام تضخم مستورد يحرق الأخضر واليابس.. 

وباتت السياسة النقدية التي يديرها البنك المركزي تعمل بعقلية إطفائي الحرائق، لا بعقلية المهندس الذي يبني قواعد الاستقرار النقدي على أسس من الصناعة والزراعة والتصدير.

الغول الذي صنعته الحكومة

يتحدث الخبراء الموالون للحكومة عن تضخم ناتج عن الحرب، لكن الحقيقة المرة أن جزءًا كبيرًا من هذا التضخم هو تضخم إداري صنعته الحكومة بقراراتها المتخبطة، حين ترفع الحكومة أسعار الوقود والكهرباء بنسب تتراوح بين 17% و30% في عزّ أزمة سياسية وعسكرية طاحنة، فهي لا تمارس ضبط أوضاع مالية، بل تمارس عملية خنق متعمد لما تبقى من رمق في القدرة الشرائية للمواطنين.

 

لقد وصل المعدل السنوي للتضخم العام إلى 13.4%، بينما التضخم الأساسي يزحف نحو 12.7%، وهذه الأرقام -على قسوتها- لا تعكس الحقيقة الكاملة في الأسواق الشعبية، إن تضخم الخضروات والفاكهة الذي تخطى الأنماط الموسمية هو صرخة من سلاسل إمداد متهالكة وجشع رقابي لم تنجح الدولة في كبحه، إن المواطن المصري اليوم لا يدفع ثمن الحرب في إيران فحسب، بل يدفع ثمن ارتباك الحكومة والمجموعة الاقتصادية التي فقدت القدرة على استباق الأزمات.

 

صنم الفائدة وخيبة الأمل في الاستثمار

تعاني السياسة النقدية في مصر من تخبط، فتارة تثبت الفائدة عند 19.25% وتارة أخرى تلوح بالرفع، في مشهد يعكس فقدان البوصلة، إن تثبيت الفائدة في ظل تضخم يلتهم المدخرات هو "وهم"، ورفعها هو رصاصة رحمة في صدر الاستثمار المحلي.

 

كيف نطلب من القطاع الخاص أن يكون قاطرة النمو وهو يواجه تكلفة إقراض حقيقية تتجاوز 21%؟ إن الدولة التي تنافس مواطنيها على السيولة وتزاحمهم في الفرص التمويلية، لا يمكنها أن تتباكى على غياب الاستثمار الأجنبي أو خروجه.. 

إن المستثمر ليس جمعية خيرية، ومن الطبيعي أن يهرب من بيئة يسودها عدم اليقين وضبابية سعر الصرف، ويفضل الترقب خلف الحدود حتى تتضح الرؤية، وهي رؤية لن تتضح في ظل سياسات الجباية الحالية.

دراما الطاقة 

إن الواقع الميداني يقول إننا نكافح لتدبير مستلزمات الإنتاج الأساسية للمصانع، كما أن هناك توقعات بأن الفجوة في ميزان المدفوعات قد تصل إلى 12 مليار دولار نتيجة الصدمات، هذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن تُناقش فوق الطاولات، لا الخطابات الإنشائية عن الدور الريادي.

 

إن ما يحدث في البحر الأحمر ومضيق هرمز ليس مجرد توترات عسكرية عادية، بل هو خنق استراتيجي لممرات الطاقة التي تعتمد عليها ميزانيتنا الضعيفة، والاعتماد الكلي على موارد متذبذبة مثل قناة السويس والسياحة في ظل إقليم مشتعل هو مقامرة كبرى، أين هي خطط الاعتماد على الذات؟ ولماذا ما زلنا نستورد موادنا الخام بمليارات الدولارات ونحن نمتلك الإمكانات لتصنيعها محليًا؟

الفاتورة الاجتماعية.. من يدفع الثمن؟

في نهاية المطاف، هناك سؤال أخلاقي وإنساني يطرح نفسه بحدة: من يدفع ثمن هذا التخبط؟
المواطن الذي يرى رغيف خبزه يصغر، وفاتورة كهربائه تتضاعف، ودواءه يختفي من الصيدليات، هو الذي يتحمل عبء الديون الخارجية.. 

 

إن الحديث عن زيادة الأجور ورفع الحد الأدنى إلى 8000 جنيه هو مسكن موضعي؛ فما قيمة الزيادة إذا كانت تتبخر في اليوم التالي أمام قفزات أسعار السولار التي ترفع تكلفة كل شيء، من رغيف الخبز إلى أجرة الميكروباص؟

 

إننا نعيش في دائرة مفرغة من القلق؛ حيث تؤدي زيادة أسعار الوقود إلى زيادة التضخم، فيضطر البنك المركزي لرفع الفائدة، مما يزيد من أعباء الموازنة، فتلجأ الحكومة لمزيد من الاستدانة أو رفع الدعم.. وهكذا يدور المواطن كالثور في الساقية، لا يبارح مكانه إلا وقد أصابه المزيد من الإرهاق والفقر.

 

الخروج من النفق.. هل من أمل؟

إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون بمزيد من القروض، ولا بانتظار منحة من هنا أو هناك. الحل يبدأ بـ اقتصاد الحرب الحقيقي: تقشف حكومي صارم وفوري يبدأ من القمة، بوقف كافة المشروعات غير الإنتاجية، وتوجيه كل دولار وكل جنيه نحو دعم الصناعة والزراعة فقط.. 

 

علاوة على استقلال حقيقي للقرار النقدي بعيدًا عن ضغوط سداد عجز الموازنة، مع التركيز على خلق سعر صرف واحد ومستقر يعيد الثقة للمنتج والمستثمر، بالإضافة إلى تطهير الجهاز الإداري  من البيروقراطية المعرقلة التي تقتل أي محاولة للنمو، وتجعل من الحصول على رخصة مصنع رحلة عذاب، وبالطبع لابد من تعظيم قيمة التعليم والبحث العلمي كحل وحيد لمواجهة سطوة الجهل، وبناء جيل يفهم لغة الاقتصاد الحقيقي، لا لغة التريند والتهافت الرقمي.

 

في وداع الأوهام

إن ربيع عام 2026 سيسجله التاريخ كـ عام الحقيقة المرّة، لقد سقطت الأقنعة عن سياسات اقتصادية للحكومة ظنت أنها تستطيع الالتفاف على قوانين المنطق للأبد، إن مصر اليوم تحتاج إلى رجال دولة يمتلكون الرؤية والجسارة والارتباط بتراب هذا الوطن.

لقد آن الأوان لكي تتوقف حكومة الدكتور مدبولي عن لوم القدر والظروف الاستثنائية للحرب وتبدأ في مراجعة السياسات.. فالجغرافيا قد تكون قدرًا لا نختاره، ولكن الفشل في إدارتها هو خيار ذاتي نرفضه جميعًا، وسيحاسبنا عليه التاريخ قبل أن يحاسبنا عليه الشعب.

الجريدة الرسمية