رئيس التحرير
عصام كامل

شهر العبادات والمفرقعات

18 حجم الخط

 * منذ عدة سنوات كانت أجواء ليالي رمضان في شوارع مصر تعبق برائحة قدور الفول المدمس ورائحة عجين وخبيز محلات الكنافة والقطايف، الآن صارت رائحة البارود والمفرقعات تزكم الأنوف وكأننا في حرب، وأصبحت أصوات الألعاب النارية والبمب والصواريخ التي تحدث صوت الانفجار تملأ الأجواء تروع الناس وتصيبهم بالفزع، دون أن تنجح أجهزة الدولة في منع تجارة واستيراد واستخدام تلك الألعاب النارية وتركتها تباع في المكتبات للأطفال بكل أريحية.


قبل حلول الشهر الفضيل وطوال أيامه تترامى إلى مسامعي وتحاصرني أصوات هذه المفرقعات ليلًا ونهارًا بشكل مثير للفزع وتوتر الأعصاب، وكأن رمضان أصبح شهر المفرقعات وليس شهر الرحمة والغفران والسكينة والهدوء.


يحدث هذا الرعب سنويًا وسط صمت وسلبية الأهالي بحجة أن الأطفال يفرحون، وكأن الفرحة لا تتحقق إلا بالمفرقعات، ووسط سلبية الدولة رغم أن الألعاب النارية تُصنف ضمن جرائم الإزعاج العام، والتى تفرض غرامات مالية على مرتكبيها.


* منذ عدة سنوات أيضا، كانت ظاهرة العزومات الرمضانية شائعة في مصر، العازم يقيم أفخم الموائد العامرة لأحبابه، والمعزومون يحملون معهم له علب الحلويات الفاخرة كهدية، كانت تكلفة العزومات وسعر علب الحلويات في متناول الجميع، ولا تشكل عبئًا ماديًا على الجميع لأن الخير كان كثيرًا.


الآن لا العازم صار عنده قدرة إنفاق آلاف الجنيهات على العزومة، ولا المعزوم صار بإمكانه شراء علبة حلويات لاتقل عن 1000 جنيه في كل مرة يقبل العزومة فيها.


 * من دفتر يوميات الغلاء.. منذ أيام تعرضت لمبة ليد 45 وات للاحتراق في منزلي، كنت اشتريتها منذ خمس سنوات بـ 75 جنيهًا، ذهبت لشراء لمبة جديدة مثلها من أحد منافذ البيع، وجدت ثمنها بـ 677 جنيهًا، قلت لنفسي: ليه؟ هو أنا هشتري لمبات قصر الملك فاروق؟
 

الخلاصة: إذا أردت أن تعرف ماذا حدث للأسعار في مصر آخر 10 سنوات، إضرب كل حاجة في 10، هى دي الحكاية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


 * ظاهرة غريبة ومتكررة تحدث مع كل سلعة تعجبك وتكرر شرئها في مصر مؤخرًا، تجد السعر ارتفع والوزن انخفض والجودة والخامات تراجعت.

 

 * مطرب يحاط اسمه بأسطورة لا أفهم سببها ولا سرها، يطل علينا كل رمضان بأغنية إعلانية يتقاضي عليها ملايين الجنيهات، لا أقتنع أساسًا بأن في طبقات صوته ولا في ألحانه ولا كلمات أغانية ما يجعله مطربًا من الأساس.. كلما سمعت صوته الخالي من الطرب وهو يصدعنا ويطاردنا كل دقيقة بعد الإفطار في الشهر الكريم.. قلت (أرزاق وموزعها الخلاق).

 

 * ملهاة كل رمضان على الشاشة إحدى القنوات: ناس تقاضت أموالًا بأرقام فلكية واستقلت الطائرة وذهبت لمدينة تعرف مسبقًا أنها ستتعرض فيها للإهانة والبهدلة.. إذن لماذا يسمونه برنامج مقالب؟

أظن أنه على إدارة القناة مراجعة نفسها في هذا العبث والضحك على الناس المستمر منذ 16 عاما لأن نسب المشاهدة تراجعت ولم يعد أحد يخيل عليه ما يحدث؟  

 * الكتابة كما البكاء تفريج هائل عن طاقة سلبية، وترويح عن النفس وتعبير عن الإيمان بضعفنا الإنساني، إنها نافذة يدخل منها بعض الضوء في محيط  جرت هندسته كي يكون أشبه بقلعة ذات جدران سميكة.

نكتب حتى لا يقتلنا الصمت ونخط متنًا أبديًا يتحرر من اليأس ويعيد خلق العالم، وكي نتفادي تحنيط الحداد، وكي نعثر على صبارة لم تستقر بعد على قبر وحيد، نكتب في محاولة يائسة لإبطاء الإحساس بالمتعة والألم. ها هو قلبي المثقل بالغياب يتخفف مثلما تتخفف روحي بالبوح الحزين عن أجمل الزهور في حديقة الغروب.
كلمات للمبدع الدكتور ياسر ثابت عن أصدقائه الغائبين الراحلين في رائعته "أفضل شركائي في الجريمة".  

الجريدة الرسمية