خميس العهد.. بين قبلة الخيانة وعطاء المحبة
في خميس العهد، تقف الكنيسة أمامنا بمشهدين عميقين: محبة المسيح التي تنحني لتغسل الأرجل، وخيانة يهوذا التي تختبئ وراء قبلة. وكأن هذا اليوم يكشف لنا أن ليس كل ما يبدو حبًا هو حب حقيقي، وأن القلب وحده هو الذي يحدد معنى الفعل، لا صورته الخارجية.
فكم من مشاعر تبدو في ظاهرها ودًّا، ولكنها في الداخل تخفي مصلحة، أو رياء، أو خيانة. وهذا ما حدث مع يهوذا، الذي اقترب من السيد المسيح بقبلة، وهي في الأصل علامة محبة، لكنها صارت في يده علامة تسليم. لذلك قال له الرب: «يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟» (لو 22: 48). لم تكن المشكلة في القبلة، بل في القلب الذي صار بعيدًا، وإن اقترب بالجسد.
وهنا نتعلم درسًا مهمًا: إن الله لا ينخدع بالمظاهر. فقد يكون الإنسان قريبًا في الشكل، ولكنه بعيد في الداخل. وقد تكون الكلمات لطيفة، لكن القلب ممتلئ بما لا يرضي الله. لذلك فخميس العهد ليس مجرد ذكرى لحدث مضى، بل دعوة لفحص النفس: هل في قلبي شيء يشبه يهوذا، حتى لو كان متغلفًا بمظهر محبة أو تدين؟
ولهذا يليق بكل واحد أن يصلي في هذا اليوم: يا رب، نقِّ قلبي من كل فكر يشبه يهوذا، حتى لو كان مختبئًا وراء صورة تبدو مقبولة. نقِّ قلبي من المصلحة، ومن محبة الذات، ومن كل رياء خفي. لأن أخطر ما يواجه الإنسان ليس السقوط الظاهر فقط، بل القلب المنقسم، الذي يحمل لله كلامًا، وفي داخله ما يبعده عنه.
وفي المقابل، يقدّم لنا المسيح في خميس العهد صورة العطاء الحقيقي. ففي ليلة آلامه، لم ينشغل بنفسه، بل انحنى ليغسل أرجل تلاميذه، مع أنه السيد والمعلم. وهكذا أعلن أن المحبة الحقيقية لا تنتظر مقابلًا، ولا تعطي بحسب استحقاق الآخر، بل بحسب امتلاء القلب. لذلك يقول الإنجيل: «إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ... أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى» (يو 13: 1).
وفي هذا اليوم أيضًا أسّس الرب سر الإفخارستيا، معطيًا نفسه خبزًا مكسورًا وخمرًا مسفوكًا من أجل حياة العالم. وهنا يبلغ العطاء قمته: أن يعطي الإنسان نفسه حبًا، لا لأنه سينال شيئًا، بل لأن المحبة في جوهرها بذل. لذلك فخميس العهد يعلّمنا أن الحب الحقيقي لا يُقاس بالكلام، بل بما يقدّمه القلب في الخفاء، دون انتظار رد أو تقدير.
لذلك، خميس العهد هو دعوة مزدوجة: أن ننقّي قلوبنا من كل خيانة خفية، وأن نتعلم العطاء الذي لا ينتظر مقابلًا. فلنقترب اليوم من المسيح بقلب صادق، لا بقبلة شكلية. ولنسأله أن يملأنا من حبه، حتى لا يكون فينا شيء من يهوذا، بل يكون فينا قلب يشبهه هو: قلب نقي، محب، باذل، وأمين حتى النهاية.
