سبت لعازر.. مازال هناك رجاء!
قد يتساءل البعض: لماذا رتّبت الكنيسة تذكار إقامة لعازر قبل أحد الشعانين مباشرة، مع أن الحدث نفسه لم يكن في هذا التوقيت؟ وهل هذا الترتيب مجرد صدفة؟ الحقيقة أن الكنيسة لا ترتّب طقوسها عشوائيًا، بل بروح روحية عميقة، تحمل رسالة واضحة للنفس قبل أن تدخل إلى أسبوع الآلام.
ففي الأصل، نياحة لعازر تُذكَر في يوم 27 بشنس، ولكن الكنيسة اختارت أن تضع تذكار إقامته قبل أسبوع الآلام مباشرة. وكأنها تقول لنا: قبل أن تدخلوا إلى مشهد الصليب، ينبغي أن تثبت في قلوبكم هذه الحقيقة: أن الموت ليس نهاية، وأن المسيح له سلطان حتى على الموت نفسه. لذلك قال الرب: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا» (يو 11: 25).
وقصة لعازر ليست مجرد معجزة ضمن معجزات كثيرة، بل هي إعلان واضح عن شخص المسيح. لم يكن الهدف فقط أن يُقيم إنسانًا من الموت، بل أن يكشف أنه هو نفسه القيامة والحياة. وهكذا، حين ندخل إلى أسبوع الآلام، لا ندخل إليه ونحن نرى الألم فقط، بل ونحن نحمل في داخلنا يقينًا أن هذا الطريق ليس طريق هزيمة، بل طريق نصرة ومجد.
ولعازر كان قد مات منذ أربعة أيام، أي أن كل أمل بشري كان قد انتهى تمامًا. ولكن الرب لم يقف عند حدود المنطق البشري، بل ناداه بصوت حيّ: «لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا» (يو 11: 43)، فعاد إلى الحياة. وهنا تظهر الرسالة العميقة: أن ما يراه الإنسان مستحيلًا، يراه الله ممكنًا. وأن الصوت الإلهي أقوى من كل موت، وأعلى من كل يأس.
ومن هنا نفهم لماذا وضعت الكنيسة هذا الحدث قبل أسبوع الآلام. فهي لا تريد للإنسان أن يدخل إلى الصليب وهو خائف أو مضطرب، بل وهو ممتلئ رجاء. كأنها تعطيه نورًا يسبقه في الطريق، لكي لا يرى الآلام بمعزل عن القيامة، ولا يرى الحزن دون أن يتذكر المجد الذي بعده.
فالكنيسة تعلّمنا بهذا الترتيب أن الإيمان لا يقف عند المنظر الظاهر. فقد يبدو الصليب ضعفًا، لكنه في الحقيقة قوة. وقد يبدو الموت نهاية، لكنه في تدبير الله بداية. ولذلك يقول الكتاب أيضًا: «أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟» (1 كو 15: 55)، إعلانًا أن الموت نفسه قد فقد سلطانه أمام عمل المسيح.
لذلك، سبت لعازر هو دعوة صريحة للرجاء. دعوة أن تدخل إلى أسبوع الآلام وقلبك ثابت، لا لأن الطريق سهل، بل لأن نهايته معروفة. فقبل أن ترى آلام المسيح، قد رأيت سلطانه. وقبل أن تقف عند الصليب، قد عرفت أن القيامة آتية لا محالة. وهكذا تعيش الإيمان لا كفكرة، بل كيقين: أن مع الرب، الألم ليس النهاية، بل بداية حياة جديدة لا يقدر الموت أن يغلبها.
