أربعاء البصخة.. بين قلب امتلأ خيانة وقلب امتلأ حبًّا
في أربعاء البصخة المقدسة، تضع الكنيسة أمامنا مشهدين متقابلين، يكشفان سر القلب الإنساني: قلبٌ انفتح للشر، وقلبٌ امتلأ بالحب. ففي هذا اليوم، نقرأ كيف تسلّل الشيطان إلى قلب يهوذا، فوافق أن يسلّم سيده. وكما يقول الكتاب: «فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا» (لو 22: 3). لم يحدث هذا فجأة، بل كان نتيجة بابٍ تُرك مفتوحًا في الداخل.
وفي الوقت نفسه، نرى مشهدًا آخر مضيئًا: امرأة سكبت طيبًا غاليًا على قدمي المسيح، معبّرة عن حب عميق وتقدير لا يُقاس بثمن. وبينما كان البعض يحسب قيمة الطيب، كانت هي ترى قيمة المسيح نفسه. لذلك قال الرب عنها: «عَمِلَتْ بِي عَمَلًا حَسَنًا» (مت 26: 10). فالقضية لم تكن في كمية ما قدّمته، بل في قلبٍ عرف من هو المسيح.
وهنا تقف النفس أمام مقارنة واضحة: يهوذا كان قريبًا من المسيح بالجسد، لكنه بعيد بالقلب. والمرأة ربما لم تكن في نفس القرب الظاهري، لكنها كانت قريبة بالحب الصادق. أحدهما باع، والآخر قدّم. أحدهما فتح قلبه للظلمة، والآخر فتحه للنور. وهذا يكشف أن القرب الحقيقي من الله ليس بالمكان، بل بحالة القلب.
ويهوذا لم يسقط في لحظة واحدة، بل ترك في داخله موضعًا للعدو. ربما كان صغيرًا في البداية، فكرة، أو محبة مال، أو تذمّر.. لكن مع الوقت، صار مدخلًا للشيطان. لذلك يحذرنا الكتاب قائلًا: «لاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا» (أف 4: 27). لأن العدو لا يحتاج إلا إلى فتحة صغيرة، ليدخل منها ويُفسد القلب كله.
أما المرأة، فقد أغلقت كل باب أمام العالم، وفتحت قلبها بالكامل للمسيح. لم تحتفظ بشيء لنفسها، بل سكبت ما عندها بمحبة. وهكذا صار فعلها شهادة، ليس فقط في وقتها، بل عبر الأجيال. لأن الحب الصادق لا يُنسى، بل يبقى أثره حيًا في كل نفس تتأمله.
لذلك، أربعاء البصخة ليس مجرد تذكار تاريخي، بل دعوة للفحص: أي قلب نحمل نحن؟ هل نترك في داخلنا مواضع صغيرة للشر؟ أم نحرس قلوبنا، ونملأها بمحبة الله؟ لأن المعركة الحقيقية ليست خارجنا، بل في الداخل، حيث يُقرَّر الطريق.
فلننتبه، ولا نترك فرصة للشيطان أن يدخل من «حتة مواربة» في القلب. ولنطلب أن يكون قلبنا مثل تلك المرأة، ممتلئًا حبًا، مستعدًا أن يقدّم، لا أن يساوم. لأن الذي يملأ قلبه بالمسيح، لا يجد العدو فيه موضعًا. وحينئذ نحيا في نور، لا مكان فيه للخيانة، بل كلّه حب وأمانة وثبات.
