رئيس التحرير
عصام كامل

إلى المشككين في السنة النبوية.. كفاكم عبثًا!

18 حجم الخط

بينما يصف البعض الترجمة بأنها الخائنة الجميلة، ويرون حرجا في ترجمة أدب شكسبير مثلا إلى لغات أخرى غير الإنجليزية، نجد للأسف نفرا من بني جلدتنا يستبيحون التشكيك في السنة النبوية، وتتعدد  منصاتُ بثِّ الأفكار دون ضوابط معرفية راسخة، وهو ما  يدعونا لاستحضار مكانة السنة النبوية بوصفها أحد الأعمدة الأصيلة التي يقوم عليها البناء التشريعي والحضاري للإسلام. 

وما صدر عن الأزهر الشريف من تحذيرٍ من دعوات الاكتفاء بالقرآن الكريم وإنكار السنة، لا يندرج في إطار الدفاع عن تراثٍ تاريخيٍّ فحسب، بل هو دفاع عن منظومةٍ معرفيةٍ متكاملة شكَّلت وجدان الأمة ومرجعيتها التشريعية عبر القرون.

تعظيم سنة المصطفى ﷺ ليس موقفًا عاطفيًّا أو انحيازًا تقليديًّا، بل هو استجابةٌ لمنطقٍ دينيٍّ وعقليٍّ وتاريخيٍّ يثبت أن الإسلام لم يُبنَ على نصٍّ منفصلٍ عن البيان، وإنما على منظومةٍ متكاملة من الوحي تمثلت في القرآن الكريم والسنة النبوية معًا. فالقرآن جاء بالأصول الكلية والمبادئ الكبرى، بينما جاءت السنة شارحةً ومبيِّنةً ومفصِّلةً لتلك الأصول، بحيث يصبح الفصل بينهما تفكيكًا لبنية التشريع ذاته.

علماء الأمة أدركوا منذ الصدر الأول أن النص القرآني يحمل من العمق والثراء ما يستوجب البيان العملي، فجاءت السنة لتجسد التطبيق الحيّ للنص، وتحوّل المبادئ إلى واقعٍ معاش. 

الطعن في السنة غالبًا ما يتجاوز البعد العلمي ليصل إلى تفكيك الثوابت الدينية والأخلاقية، إذ إن كثيرًا من الأحكام التفصيلية المتعلقة بالعبادات والمعاملات والسلوك الإنساني لم ترد في القرآن على سبيل التفصيل، وإنما استمدت مشروعيتها من السنة. ومن ثم فإن إنكارها لا يعني مجرد اختلاف فقهي، بل يُفضي إلى إعادة تشكيل الدين وفق تصورات انتقائية قد تُفقده اتساقه الداخلي.

ومن هنا، فإن إنكار السنة لا يفضي فقط إلى إسقاط مصدرٍ من مصادر التشريع، بل يفتح الباب أمام فوضى تأويلية تُخضع النصوص لأهواء القراءات الفردية، وتُفرغ الدين من مرجعيته المنضبطة.

إن أخطر ما في دعاوى الاكتفاء بالقرآن أنها تُقدَّم غالبًا تحت شعارات الحداثة أو القراءة المعاصرة، بينما تنطوي في جوهرها على قطيعة معرفية مع تراكمٍ علميٍّ هائلٍ أسهم في صياغة علوم الرواية والدراية، وأرسى قواعد صارمة للتحقق من صحة الحديث وتمييز صحيحِه من ضعيفه. وقد شكَّل هذا الجهد العلمي نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته اليوم بـ الحوكمة المعرفية، حيث خضع نقل السنة لمعايير نقدية دقيقة لا تقل صرامة عن مناهج التوثيق الحديثة.

ولا يمكن فصل هذه الموجات التشكيكية عن السياق الثقافي والإعلامي المعاصر، حيث تُستثمر سرعة انتشار المعلومات في ترويج أطروحاتٍ مختزلة تُغري ببساطتها لكنها تفتقر إلى العمق العلمي. وهنا تتعاظم مسؤولية المؤسسات الدينية والعلمية، وفي مقدمتها أحمد الطيب، في تقديم خطابٍ علميٍّ متوازن يجمع بين أصالة المنهج ووضوح الطرح، ويخاطب العقول بلغةٍ معاصرة دون التفريط في الثوابت.

إن الدفاع عن السنة ليس مجرد ردٍّ على شبهات عابرة، بل هو صونٌ لذاكرة الأمة التشريعية، وحمايةٌ لوحدة مرجعيتها الفكرية. فالسنة لم تكن يومًا عبئًا على النص القرآني، بل كانت امتداده العملي وروحه التفسيرية التي جسدها النبي محمد في أقواله وأفعاله وتقريراته.

وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود أسئلة أو شبهات، فالحضارات الحية تُبنى على الحوار والنقاش، وإنما يكمن الخطر في تحويل النقاش إلى وسيلةٍ لزعزعة الثوابت دون تأسيس علمي راسخ. ومن ثم، فإن تعظيم السنة يظل ضرورةً معرفية وحضارية، تحفظ توازن الفهم الديني، وتصون المجتمع من الانزلاق إلى قراءاتٍ مبتورة قد تُفقد النصوص معناها، وتُفقد الإنسان بوصلته الروحية والتشريعية.

الجريدة الرسمية