رئيس التحرير
عصام كامل

يدان كالصليب (1)

18 حجم الخط

كانت الإسكندرية تموج بالحياة والثراء والضجيج، في قلب تلك المدينة وُجد بيت واسع لرجل غني لا توصف كثرة غناه من الذهب والفضة والثياب الفاخرة، عاش الرجل أيامه مطمئنًا أن ما جمعه سيبقى سندًا لولديه بطرس الكبير وبولا الصغير. ثم جاء الموت في لحظة لا تستأذن أحدًا. 

أُودِع الأب القبر وعاد الولدان إلى البيت الذي صار فجأة أثقل من قدرتهما على الاحتمال. مرّت أيام الحزن ثم بدأ ما يبدأ غالبًا بعد العزاء. قسمة الميراث.

جلس بطرس يتكلم بمنطق العالم. قال إنه الأكبر وإنه أحسن تدبيرًا لهذا المال. رأى أن يأخذ جزأين ويعطي بولا جزءًا واحدًا. قال له كأن الأمر نصيحة لا ظلمًا. أنت صغير وقد تضيّع المال وتحتاج. وهذا النصيب يكفيك حتى تأخذ حد القامة. 

وإن ضاقت بك الأيام أعطيك ما تحتاج. كان بولا يسمع بلا صخب. لم تكن روحه تميل إلى الخصومة. لكنه أحس أن الصمت هنا سيصير خيانة للعدل. رفع عينيه وقال لماذا منعت عني نصيبي الذي أستحقه من مال أبي. أليس لكلينا ميراث واحد فلماذا تفعل هكذا. لم يكن يطلب تفضيلًا بل يطلب مساواة.

اشتد الحوار. قال بطرس ما أدفع لك إلا من الآنية فقط. رد بولا بكلمة موجعة لأنها صادقة. لأني أصغر سنًا تظلمني وتحرمني نصيبي من ميراث أبي. ثم قال إذا كان هذا ما تريد نمضي إلى الحاكم ليحكم بيننا ومهما يقض به يتبع. وافق بطرس. خرجا من البيت وفي داخلهما غضب لا يقال بسهولة لكنه يسير مع الأقدام في الطرقات.

وبينما هما يسيران في شوارع المدينة وقعت عينا بولا على مشهد هزّ قلبه كله. ميت محمول إلى دفنه وجموع تتبعه ونحيب يملأ المكان. لم يكن المشهد جديدًا على المدينة لكنه صار جديدًا على بولا لأنه جاء في لحظة كان فيها مشدودًا إلى المال كأنه حياة. 

اقترب واستدعى واحدًا من المشيعين وسأله ومن هذا الذي مات وهم ينوحون عليه هذا النوح العظيم. أجابه الرجل يا ولدي هذا الرجل الذي مات اليوم في هذا البلد له خيرات كثيرة وكان متنعمًا بالذهب والفضة وكثرة الثياب الثمينة. ثم قال شيئًا جعل الكلمات تتحول في أذن بولا إلى جرس. وها هم يخرجونه اليوم لا يملك شيئًا من هذا العالم يحمله معه بل قد مضى في طريق لا يعود منها أبدًا. 

ثم ختم الرجل حديثه بنداء مباشر للحرب الداخلية. لن نخلد هنا. يوم يأتي على كل واحد في ساعته الصعبة التي لا يعرفها لا ينظر لغني أو فقير ولا لشيخ أو شاب بل يجازي كل واحد نظير أعماله.

في تلك اللحظة لم يعد بولا يرى طريق الحاكم. انكشفت له حقيقة العالم فجأة. ليس لأن المال خطية في ذاته بل لأن القلب حين يتعلّق به يتصرف كأنه أبدي. شعر بولا أن الميراث صار صغيرًا أمام هذا المشهد. ليس صغيرًا في قيمته المالية بل صغيرًا أمام سؤال المصير. قال لأخيه امضِ بنا إلى بيتنا.

تعجب بطرس وقال لماذا تتراجع قبل أن نمضي إلى الحاكم. قال بولا ارجع بنا يا أخي فقد انتهيت إلى قرار وحدي. ظن بطرس أنه يريد أن يتهرب أو يحرجه أمام الناس. لكن بولا قال بهدوء يليق بمن حُسم الأمر داخله. 

إلهي الذي خلق كل شيء الخفي والظاهر يعلم أني لست أكن لك في قلبي شيئًا من الشر. تمضي إلى بيوتنا مباشرة والذي تريده في كل شيء ينفذ. ولن أتحدث إليك مرة أخرى بشأن مال أبي وكفى هذا.

عادا في شوارع المدينة لكن بولا لم يعد الشخص نفسه. وبينما هما يسيران توارى بولا عن أخيه ولم يعلم بطرس كيف اختفى. لم تكن مجرد خطوة إلى زقاق جانبي. كان اختفاء رجل عن عالم كامل. وقف بطرس يفتش عنه ويناديه.

ثلاثة أيام يبحث في المدينة ولا يجد أثرًا. مزق ثيابه وبكى زمانًا طويلًا وقال لماذا تحدثت مع أخي في مال هذا العالم حتى حل به هذا. كانت صرخته متأخرة لكنها تكشف كم يمكن لكلمة طمع أن تجرح بيتًا.

أما بولا فكان قد بدأ رحلة لا تشبه أي رحلة عرفها أهل المدينة. خرج غربًا قليلًا فوجد طافوسًا قبرًا مهجورًا. دخله وأقام ثلاثة أيام وثلاث ليال يصلي ويبتهل إلى الله. لم يفكر في أكل أو شرب. لم يطارده خوف القبر ولا ظلمة المكان. لأن قوة من النور كانت تظلله. 

كان كأنه يُقتلع من الداخل من جذور تعلقه القديم ويُزرع في تربة أخرى اسمها الاتكال. ثم في اليوم الرابع أرسل الله إليه ملاكًا. لم يأتِ الملاك ليعطيه فكرة جميلة ثم يتركه. مضى معه نحو الشرق حتى تركه عند عين ماء وبقربها نخلة.

وقف بولا أمام العين والنخلة كمن يجد خطة حياة كاملة في بساطة المكان. عين ماء تكفي للعطش ونخلة تكفي للقوت. ثم رأى مغارة موحشة في الجبل فدخلها. صنع لنفسه ثوبًا من ليف النخلة ولبسه. كان اختيارًا واعيًا للفقر لا هروبًا من الناس فقط. 

ثم وقف منفردًا يصلي صلاة قصيرة لكنها تحمل كل ما تبقى له في هذا العالم. يا سيدي يسوع المسيح ابن الله الحي احرسني وخلصني من يد العدو غير المشفق. لم يطلب نجاحًا ولا راحة ولا شهرة. طلب الحراسة والخلاص. طلب أن يبقى قلبه ثابتًا.                                                                 نكمل غدا

الجريدة الرسمية