رئيس التحرير
عصام كامل

ليست صدفة بل ترتيبًا

18 حجم الخط

لو تأمّلنا سفر يونان بتركيزٍ أعمق، ستلفت انتباهنا كلمةٌ تتكرر كخيطٍ ناعم يربط المشاهد كلها: الفعل أعدّ. ليست مجرد صياغة لغوية، بل نافذة تكشف كيف يعمل الله في الخفاء بدقةٍ وحكمة، وكيف ينسج تفاصيل القصة -بل تفاصيل حياتنا- بترتيبٍ مقصود حتى عندما يبدو لنا المشهد قاسيًا أو غير مفهوم. 

يقول الكتاب: «أَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ» (يونان 1: 17). في الظاهر يبدو الحوت ابتلاعًا وضيقًا، لكنه في التدبير الإلهي كان حمايةً داخل التجربة، ومدرسةً روحية في عمقٍ لا يصل إليه الإنسان عادة إلا حين تنقطع عنه وسائل الاتكال الأخرى.

 

ومن داخل هذا العمق خرجت صلاةٌ تُشبه صلوات المتألمين الصادقين، لا صلوات الكلمات المرتبة. يقول يونان: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ فَسَمِعْتَ صَوْتِي» (يونان 2: 2). 

كأن الله قد أعدّ ليونان ضيقًا لا ليكسره، بل ليوقظه ويعيد قلبه إلى موضعه الصحيح، وليعلّمه أن السماء ليست بعيدة في قاع البحر، وأن الاستجابة لا تُقاس بارتفاع المكان، بل بصدق الالتجاء.

 

ثم لا ينتهي السفر عند “حوتٍ أعدّه الرب”، بل يستمر الفعل ذاته في أصغر التفاصيل وأدقها، ليؤكد أن يد الله تعمل في الكبير والصغير معًا. يقول: «فَأَعَدَّ الرَّبُّ الإِلهُ يَقْطِينَةً فَارْتَفَعَتْ فَوْقَ يُونَانَ لِتَكُونَ ظِلًّا عَلَى رَأْسِهِ، لِكَيْ يُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ» (يونان 4: 6). 

هنا نرى إعدادًا للراحة والستر، لا للضيق. الله الذي أعدّ الحوت في لحظةٍ قاسية، هو نفسه الذي أعدّ ظلًّا يلطّف الغم. لأن التدبير الإلهي ليس قسوةً مجرّدة، بل تربيةٌ متوازنة؛ يجرح ليشفي، ويؤدّب ليُقيم، ويهب ظلالًا في حر الطريق كي لا ينهار الإنسان.

 

لكن الفعل يتكرر من جديد في اتجاهٍ مختلف: «وَأَعَدَّ اللهُ دُودَةً عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي الْغَدِ، فَضَرَبَتِ الْيَقْطِينَةَ فَيَبِسَتْ» (يونان 4: 7)، ثم: «وَأَعَدَّ اللهُ رِيحًا شَرْقِيَّةً حَارَّةً» (يونان 4: 8). لماذا يعدّ الله دودةً تفسد الظل، وريحًا تُثقِل النهار؟ لأن الله لا يصنع هذه التفاصيل عبثًا، بل يكشف بها ما في الداخل ويهذّبه. 

أحيانًا يهبنا راحةً لنشكر، ثم يسمح بزوالها لنفهم أين كان اتكالنا: على المُعطي أم على العطية. يسمح بما يضايق لكي يُخرج من القلب ما لا نراه نحن، وليحطم أصنامًا صغيرة تتخفى في الزوايا، كالاتكاء على “الظل” أكثر من الاتكاء على الله نفسه.

 

وتكرار “أعدّ” في هذه المواضع يثبت حقيقة مطمئنة: إن الله لا يقود القصة على سبيل الصدفة. هو يُعدّ، أي يختار التوقيت، ويزن المساحة، ويقدّر الأثر، ويقود النهاية. يُعدّ ما يحمي، ويُعدّ ما يختبر، ويُعدّ ما يواسي، ويُعدّ ما يهذب، وكل ذلك تحت سلطانٍ واحدٍ صالحٍ لا يتغير. 

لهذا لا ينبغي للمؤمن أن يرى الأحداث كضرباتٍ متفرقة، بل كجزءٍ من تدبيرٍ واحدٍ يهدف إلى خيره ونضجه وخلاصه، حتى إذا بدا في لحظته موجعًا أو ثقيلًا.

من يتأمل سفر يونان يخرج بمعنى عميق: إن الله “يُعدّ” لكل إنسان ما يناسب خلاصه، ولو اختلفت الأدوات وتباينت الفصول. قد يُعدّ حوتًا يحفظك وأنت لا تفهم، وقد يُعدّ يقطينةً تظلك حين يشتد الحر، وقد يسمح بدودةٍ تذكّرك أن الاتكال لا يكون على ما يزول، وقد يُعدّ ريحًا تُنضجك لا لتُهلكك. 

وفي النهاية، يبقى الله هو أفضل مُعدّ لكل تفاصيل حياتنا، لأنه يرى ما لا نراه، ويقودنا إلى الخير وإن مررنا بطرقٍ تبدو قاسية. فاطمئن: الذي “أعدّ” في سفر يونان، لا يزال يُعدّ اليوم -وليس في ذلك تهديدٌ لك، بل رجاءٌ عظيم بأن حياتك ليست متروكة للصدفة، بل محفوظة في يد تدبيرٍ محبّ وحكيم.

الجريدة الرسمية