رئيس التحرير
عصام كامل

حليم.. مدرسة الإبداع والوطنية والرومانسية!

18 حجم الخط

تتجدد ذكرى ميلاد حليم في 21 يونيو من كل عام، وهنا لا يُولد شخص، بل يُبعث زمنٌ من الطرب والدموع والوطن.. يُبعث عبد الحليم حافظ، أو كما أحبّ أن يسميه العشاق: العندليب الذي غنّى عمرنا.


ولد حليم ضعيف الجسد، لكنه قوي الأثر.. هزيل الجسم، لكنه عظيم الروح، يتيمًا في الطفولة، لكنه أبا لحنان أجيال كاملة. عاش وفي جسده مرض، لكن في صوته حياة لا تنتهي. من رحم الألم خرج العندليب مغنيًا للعاطفة كما لم يفعل أحد، وللوطن كما يليق بالفرسان، وللأمل كما يتقنه العاشقون للحياة.


في زمن كان فيه الطرب للسلطنة، جعل عبد الحليم الغناء لغة حديثة تخاطب القلب مباشرة. لم يكن يصدح فحسب، بل كان يهمس، يتنهد، يرتعش، يبكي. أغنياته مثل جانا الهوى وقارئة الفنجان وزي الهوا، لم تكن مجرد ألحان، بل كانت وجع المحب، ولهفة المنتظر، وخيبة المفارق وهو ما يجعله مدرسة في الغناء العاطفي.


حليم كان عاشقا لوطنه، صوته بندقية ناعمة تُطلق في معارك الكرامة. لم يكن يغني لمصر فقط، بل كان يجسدها. من حكاية شعب إلى البندقية اتكلمت ومن عدى النهار إلى صورة، كان حليم صوت النكسة، وصوت النصر، وصوت الكبرياء الذي لا ينكسر. لم يستغل الوطنية ليُصفق له الجمهور، بل كان يغنيها بصدق من يحترق لأجلها.


أما حليم الإنسان فرغم المجد والشهرة، ظل عبد الحليم شفافًا كدمعة، بسيطًا كأمنية طفل. لم يكن مغنيًا يمرر صوته فحسب، بل إنسانًا يمرر إحساسه. عاش معذبًا بمرضه، يخفي ألمه حتى لا يُقلق أحباءه، يقف بالساعات علي المسرح وهو يتلوى من الداخل، يبتسم وهم لا يعلمون أن دمه ينزف من داخله.

 

هنا إرث لا يموت رغم رحيل العندليب في ريعان الشباب، لكنه لم يغادر. غاب الجسد وبقي الصوت والروح. لم يولد عبد الحليم آخر، لأن الزمن لم يعثر علي هذا الخليط العجيب من الألم والحنان والكرامة. لا يكاد يمر حفل غنائي إلا ونسمع فيه صدى صوته، ولا يمر عشق إلا وترافقه أنغامه، ولا تمر لحظة وطنية إلا ويُستعاد نشيده.


حليم ليس مجرد ماضٍ، بل هو الحاضر الذي نحتاجه لنحسّ، لنحب، لنفخر، لنعيش رغم الألم.
في ذكراك، يا من علمتنا كيف نُغني ونبكي وننهض.. نقول لك: "أنت لم تكن مطربًا فقط، بل ذاكرة وطن، وصوت قلب، وسِحر عصرٍ لن يتكرر".

 


ورغم أن حليم مات في سن مبكرة فقد ظل ومازال متربعًا علي عرش الأغنية الوطنية والعاطفية والدينية لم نجد حليم جديدا ولا يوجد حفل غنائي لمطرب أو مطربة إلا وغني لحليم.. أليس ذلك هو الرحيل بطعم الخلود؟!

الجريدة الرسمية
عاجل