القديس أبوللو، سراج الحكمة في جبل القلمون
تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس أبوللو، تلميذ القديس العظيم الأنبا صموئيل المعترف، أحد رجالات الروح الذين حملوا مشعل الإيمان في ربوع الصحراء المصرية، ونسجوا بأنفسهم فصولًا من قداسة ظلت شاهدة على عصور وعصور.
تلميذ الأنبا صموئيل المعترف
وُلد القديس أبوللو في زمن كان فيه الإيمان يختبر بالنار، فانجذب قلبه منذ نعومة أظفاره إلى حياة الرهبنة والزهد، حتى ساقته العناية الإلهية إلى دير جبل القلمون (المعروف بجبل البوص أو الغاب) غرب مدينة مغاغة بمحافظة المنيا، حيث تتلمذ على يد الأنبا صموئيل، أحد أعمدة الحياة الرهبانية ومقاومي الاضطهاد في زمانه.
لم يكن أبوللو مجرد تلميذ، بل كان امتدادًا حيًا لروح أبيه الروحي، يشاطره العمل والخدمة والرؤية. حمل على عاتقه مسؤوليات ثقيلة، وشارك في تعمير الدير وإدارة شؤونه. وعندما شرع الأنبا صموئيل في بناء كنيسة السيدة العذراء مريم داخل الدير، كان أبوللو أحد الأعمدة الذين اعتمد عليهم، ينقل الحجارة والأخشاب والمواد اللازمة على الجمال من الريف، بخطوات مفعمة بالحب والعطاء.
تميز القديس أبوللو بالحكمة العميقة والتمييز الروحي، إذ كان ملجأ لإخوته في مواجهة المحن. ويُروى عنه موقفه مع ثلاثة من الرهبان أرادوا ترك الدير، فجمعهم وخاطب قلوبهم بكلمات مأخوذة من الكتب المقدسة وسير القديسين، حتى استعادوا عهدهم بالرهبنة وبقوا أوفياء لحياتهم النسكية.
حين اختار الأنبا صموئيل العزلة والانفراد بالله، عهد إلى أبوللو بقيادة الدير وتدبير حياة الرهبان. فكان أبوللو مثالًا للرئيس الأمين، لا يعتمد على قوته، بل يلتجئ في كل صعوبة إلى الله. وتُروى عن صلاته المعجزة حينما نفد الخبز من الدير، فرفع قلبه قائلًا: "يا إله أبينا الأنبا صموئيل المعترف، لا تتركني ولا شعبك"، فاستجاب له الله، وامتلأ مخزن الخبز بفيض من البركة الإلهية.
لم تكن قيادته مجرد إدارة زمنية، بل كانت رعوية مفعمة بالحب الأبوي. وعندما رحل معلمه الأنبا صموئيل عن العالم، واصل أبوللو رسالته بنفس الروح، يسهر على حياة الرهبان، ويغذيهم بكلمة الله، ويثبتهم على درب القداسة حتى وافته المنية بسلام، بعد أن ترك إرثًا من أبناء روحيين يحملون مشعل النور في ظلمات العالم.
وفي ذكرى نياحته، تلوح سيرته المباركة أمام أعين كل من يسلكون طريق الرهبنة والجهاد الروحي، كمنارة تهدي الحيارى وتشد العزائم على درب الملكوت.
