رئيس التحرير
عصام كامل

الساعون لخراب مصر

لا أعتقد أن هناك دولة تمتلك برلمانًا وحكومة ومؤسسات، من الممكن أن تقبل بحالة الانفلات والفوضى والمضاربة على سعر الدولار التي تحدث في مصر، إلى حد وصل بسعره في مقابل الجنيه في السوق السوداء خلال الأيام القليلة الماضية إلى 55 جنيهًا، بفارق يزيد 24 جنيهًا على السعر الرسمي في البنوك المصرية.

 

ولعل ما يدعو للأسف فيما يتم، أنه لا علاقة له بالعرض والطلب أو أي أسباب اقتصادية أخرى، سوى أنباء غير مؤكدة تتحدث عن قرب قيام الحكومة بتعويم جديد للجنيه المصري، دفع مجموعة من كبار تجار العملة إلى التدخل بقوة والتلاعب ب أسعار العملات الأجنبية كيفما شاءوا، بشكل بات ينذر فعليا بخروج الأمور عن السيطرة.

 

ولعل ما يدعو للأسف، أن تلك الفوضي تحدث تحت سمع وبصر البرلمان والحكومة والبنك المركزي، الذي لم يحرك الأمر لهم ساكنا، باستثناء قرارات ضعيفة بوقف السحب بالعملات الأجنبية من الخارج لبعض البطاقات الـ ATM.

المضاربة بالدولار

الكارثة أن فوضى المضاربات على الدولار انعكست بالسلب على كل السلع بالأسواق المصرية، وأحدثت نوعا من الارتباك جعل الجميع يقيم سعر الدولار وفقا لهواه، لدرجة أن هناك قطاعات في مصر الآن تقيم سعر العملة الأمريكية على 60 جنيها، وهو ما ظهر بوضوح في قطاعات مثل الذهب والسيارات والأجهزة الكهربية، التي شهدت ارتفاعات جنونية، وسط ذهول من الجميع مما قد تصل إليه الأمور في الأيام القادمة.

 

الغريب، أن تلك الفوضى تحدث وسط سعي من الحكومة المصرية لجلب استثمارات جديدة إلى البلاد، دون أن يسأل الدكتور مصطفى مدبولي ومعه كامل أفراد الحكومة أنفسهم، عن أي مستثمر عاقل من الممكن أن يلقى بأمواله إلى سوق لا يعلم فيه كم سينفق أو كم سيربح؟، أي أن ما يحدث باختصار يعد ضربة قاصمة وحائط صد أمام دخول أي استثمارات جديدة إلى البلاد.

 

الكارثة أن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد في حالة صمت البرلمان والحكومة والبنك المركزي، بل سيؤدى بالتأكيد إلى ارتفاع أسعار الخامات، وسينعكس بارتفاعات غير مسبوقة على أسعار كل المنتجات، في ظل محدودية القوة الشرائية.

 

الأمر لن يتوقف عند هذا الحد للأسف، بل سيتبعه ركود قد يؤدي حتما إلى هروب جزء كبير من الاستثمارات الموجودة بالبلاد، لأن المنطق يقول: إنه لا يوجد مستثمر عاقل على وجه الأرض سوف يقبل بالاستثمار في دولة يوجد بها 5 أسعار للدولار، كما هو الحال في مصر الآن.

 

المؤسف أن ما يحدث الآن من سعى البعض لتكوين ثروات على حساب تدمير الاقتصاد المصري، يتم في توقيت يعلم فيه الجميع مدى الخطر الذي تواجهه البلاد، في ظل حاجتها للاستقرار والصمود أمام الأعباء التي يتطلبها الوفاء بالالتزامات الثقيلة للديون الخارجية، وما يهدد الأمن القومي المصري من أخطار نتيجة لاشتعال كل الجبهات الحدودية المصرية مع ليبيا والسودان وغزة، وما تتطلبه من حالة استنفار تتم في صمت دون أدنى تأثير على الداخل المصري.

 

يقيني أن خطورة الأمر لم تعد تحتمل النظر لتقييم المؤسسات المالية الدولية، التي أرى أنها تسعى وفقًا لأهواء -لا يعلمها سواها- إلى رفع تصنيفاتها للاقتصاد المصري تارة، ثم الهبوط به إلى أسفل السافلين تارة أخرى.

 

بل وبدأت في تقييم العملة المصرية في مقابل الدولار بين 40 و45 جنيها ويزيد، في محاولة لدفع الحكومة إلى تعويم رابع، يعلم أقل الناس فهما للاقتصاد أن الإقدام عليه دون توفير سيولة دولارية كبيرة في البنوك، سوف ينعكس على أسعار كل السلع في مصر بكارثة.

 

قانون يجرم تداول العملات الأجنبية خارج البنوك الرسمية

بل الأكثر كارثية أن التعويم المحتمل سوف يجعل لا طاقة للأغلبية العظمى من المصريين فعليا على تحمل الارتفاعات الجديدة بالأسعار، إلى جانب ما يصحبه من آثار اجتماعية مدمرة، أقلها ارتفاع معدلات الطلاق والجريمة والدعارة من أجل سد ألم الجوع.

 

الواقع على الأرض يقول إن خطورة الأمر لم تعد تحتمل انتظار قرارات هشة -مثل سابقتها- قد يخرج بها اجتماع البنك المركزي في فبراير القادم، بل يحتم الخروج بتشريعات وقرارات صارمة وقاسية تعيد الاستقرار جبرا إلى الأسواق، وتجعل كل مضارب يفكر ألف مرة قبل الإقدام على المضاربة والإصرار بالاقتصاد الوطني.

 

فلا أدرى ما يمنع الحكومة من الإسراع بشن حملة اعتقالات تشمل كل صغير وكبير يعمل في تجارة العملة، وجميعهم معروفون بالاسم في كل شوارع مصر.

 

كما لا أدرى ما يمنع الحكومة من الإقدام على إلغاء تراخيص كل شركات الصرافة التي بات أغلبها أبوابًا خلفية للمضاربة بالعملات الأجنبية بعلم الجميع.

 

كما لا أدرى ما يمنع البرلمان والحكومة من الإسراع خلال أيام، في إعداد مشروع قانون يجرم تداول العملات الأجنبية أو استبدالها خارج البنوك الرسمية، وفرض عقوبة لا مجال فيها لثغرات، تجعل الأشغال الشاقة المؤبدة ومصادرة الأموال عقوبة لكل مضارب بالعملات الأجنبية في مصر.

 

 

يقينا، خطورة الفوضى التي تشهدها الأسواق المصرية تحتم الضرب بيد من حديد على رأس كل الساعين لخراب الاقتصاد والإضرار بالأمن الاجتماعي المصري، وإن حدث غير ذلك، فعلى البرلمان والحكومة تحمل مسؤولية ما هو قادم أمام الله والتاريخ والمصريين.. وكفى.

الجريدة الرسمية