رئيس التحرير
عصام كامل

نحزن.. لكن لا نجزع ولا نيأس!

الحزن غريزة إنسانية طبيعة، عاشها الرسل أنفسهم فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم حين مات ولده إبراهيم: "وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، وهذا دليل على مدى رحمته ورفقته صلى الله عليه وسلم، ويظهر ذلك في تقبيله وشمه لابنه وقت مرضه، وحزنه وبكائه بعد موته..

 

كما ظهر مدى أدبه صلى الله عليه وسلم مع ربه سبحانه، حيث إنه صلى الله عليه وسلم لم يقل -مع حزنه الشديد- أي كلمة تدل على جزعه وعدم صبره ورضاه بقضاء الله وقدره، بل قال صلى الله عليه وسلم: "ولا نقول إلا ما يرضى ربّنا"، فكان صلوات الله وسلامه عليه مثالًا وقدوة عملية في الصبر والرضا، والأدب مع الله عز وجل.


الحزن إذا كان شعورا عارضًا أو مستداما لبعض الوقت نظرًا لجسامة وهول ما يجرى مثلًا في غزة المنكوبة بإجرام الاحتلال الإسرائيلي فهذا يخرج عن إرادة الإنسان ولا يلام عليه، أما إذا استسلم له المرء وجزع منه فهو يؤذى صاحبه أيما إيذاء.. 

 

ومن ثم فقد استعاذ الرسول الكريم من الهمّ والحزن،  لقول أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كنت أخدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ".

 
وهنا يثور سؤال مهم، وهو: لماذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أمته أن تتعوذ من الهم والحزن كلما هي أمست وإذا هي أصبحت؛ وذلك لما فيهما من شدة الضرر على بدن المرء وعقله، وقلبه ونفسه، ودنياه ودينه. فهما يشوشان الفكر، ويشغلان القلب، ويثقلان البدن، ويذهبان قواه، ويقعدان عن العمل، ويفوِّتان على العبد الكثير من الخير، ويشغلان الفؤاد والنفس عن الطاعات والواجبات، ويصيبان المرء بالإحباط واليأس والتشاؤم.

 لماذا يشعر الإنسان بالحزن؟


التشاؤم ليس من الإيمان في شيء، فإذا تشاءم الإنسان ضاق صدره، ويئست نفسه، وجمد فكره، وفترت همته، وجلس عن الحركة، وقعد في بيته قعود اليائسين.. وأصبح هلوعا يفزع من كل حادث، ويغضب لأدنى سبب، ويشكو من غير علة، ويمرض من غير داء، ولا يرى شيئا في الحياة يستحق الحياة، فكأنه يموت قبل أن يأتيه الموت.


وإذا سيطر هذا الشعور على الشخص يعلو السواد ناظره فلا يرى في الوجود شيئا جميلا؛ ينظر إلى الورود فلا يرى إلا شوكها، وينظر إلى جمال السماء في الليل فلا يرى إلا ظلامها، ولا يكاد يرى لله عليه نعمة، ولا يكف أبدا عن الشكوى.


أما لماذا يشعر الإنسان بالحزن؛ والجواب: لأسباب عديدة؛ أهمها الآن ما نراه الآن على الشاشات من مشاهد تدمى القلب وتوجع الضمير في غزة المحاصرة التي تذيقها إسرائيل عقابا جماعيًا وقتلا وترويعًا وتجويًعًا وتخريبًا يفوق احتمال البشر، ويتجاوز -كما قالت مصر- دائرة الدفاع عن النفس..

 

وللحزن أسباب أخرى مألوفة مثل  فقدان شخص عزيز، أو خسارة مال أو وظيفة.. لكن نتائج الاستسلام للحزن دائمًا وخيمة على صحة الإنسان؛ ذلك أنه يترك آثارًا سلبية بالجسم، كاضطرابات النوم، وزيادة خطر الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية، أو اكتئاب، وفقًا لما توصلت إليه الدراسات العلمية.


والسؤال لكل من تيسرت له أسباب الحياة: كيف تعيشُ مهمومًا مغمومًا حزينًا كئيبًا، وعندك الخبزُ الدافئُ، والماءُ الباردُ، والنومُ الهانئُ، والعافيةُ الوارفةُ وهو ما يجده آلاف وربما ملايين البشر، تتفكرُ في المفقودِ ولا تشكرُ الموجود.


والجواب: دع المقادير تجري في أعنتها ولا تَبيتنّ إلا خالي البال؛ أو عش في الدنيا كعابر سبيل، فأنت وأنا وكل مخلوق في هذه الحياة الدنيا كمسافر استظل تحت ظل شجرة ثم ذهب وتركها.. فهل نبكى على تركها.. أم نعمل لما بعدها!


ينبغى ألا نسمح للحزن مهما تكن ضراوة ما يجرى حولنا أو لنا بأن يسمم حياتنا، بل نعمل ونجتهد فالنفُس (بفتح الفاء) يخرج ولا نعرف إن كان سيعود أم لا.


كما ينبغى أيضًا ألا نسمح بالقلق أن يتسلل إلينا؛ حتى لا يضعف روحنا والمعنوية؛  التعاطف مع الأشقاء وشجب ما تفعله آلة القتل الإسرائيلية الإجرامية واجب والأوجب منه وقف آلة القتل بشتى الطرق، وأن نضاعف جرعات الدعم والمساعدات الإغاثية والإنسانية لأهلنا المنكوبين بالاحتلال الغاشم، حتى ينالوا حقوقهم في دولة مستقلة قابلة للحياة.. 

 

فهم حائط الصد الأول عن أمتنا ومقدساتنا.. وألا نغفل عن هذا الواجب أبدًا تحت أى ظرف؛ فهذا أوجب واجبات الوقت.. ولن يرحم التاريخ كل من تقاعس عن أداء هذا الواجب.

 


وأقول  أخيرا.. لماذا لا نحزن.. ونحن نري ما نري من عالم  مجنون.. لا يرحم فيه الكبير الصغير.. نري مجلس أمن في خدمة الكبار بسبب الفيتو الملعون.. نري ونري ونري.. فكيف ينظر هؤلاء المنافقون إلى أنفسهم في المرآة وماذا يقولون لزوجاتهم واولادهم أم إنهم كلهم سادرون في الغي غارقون في الإفك والضلال؟!

الجريدة الرسمية