رئيس التحرير
عصام كامل

أبو الزهراء يكافئ مادحيه (10)

لم ينل أحد ممن مدحوا سيد الأنبياء، صلى الله عليه وآله وسلم، ما ناله الإمام بالبوصيري، بسبب قصيدته الخالدة البردة.

هو محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري (608 هـ - 696 هـ / 7 مارس 1213 - 1295)، شاعر صنهاجي اشتهر بمدائحه النبوية. أشهر أعماله البردة المسماة "الكواكب الدرية في مدح خير البرية".

 

ما إن انتهى الإمام البوصيرى، من كتابة البردة، التي يمدح فيها النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في 160 بيتا، وكان مصابا بالشلل، ثم أوى إلى سريره، حتى رأى النبي في المنام، فقرأ عليه البوصيري قصيدته، ليضع النبي بردته على البوصيري، فيستيقظ من نومه معافىً، فأقسم ألا يكتب إلا قصائد تمدح شمائل النبي وتدعو إلى مكارم الأخلاق والتمسك بالدين.

 

البوصيري، وهو من قرية أبو صير الملق بمركز الواسطى، ببني سويف، تزوج والده من الشيخة صويلحة من قرية دلاص بمركز ناصر، ولها مقام في قريتها، وأنجبا نجلهما محمد بن سعيد البوصيري.

 

انتقل البوصيري، من بني سويف إلى القاهرة، وتلقى تعليمه في مسجد عمرو بن العاص، فحفظ القرآن في طفولته، وتتلمذ على يد عدد من أعلام عصره، كما تتلمذ عليه عدد كبير من العلماء المعروفين، منهم: أبوحيان الغرناطى، ومحمد بن سيد الناس.

قصيدة البردة

وتعد قصيدة البوصيري قطعة أدبية فريدة تتناغم فيها المعانى الراقية والمواعظ الحكيمة والدعاء الخاشع مع الموسيقى العميقة والترانيم والتي تضفي على القصيدة جوا من الجمال والبهاء، واتخذها معظم الصوفيين مادة خصبة لأذكارهم ومجالسهم تنشد فيها القصيدة.

 

 ولجمال القصيدة حاول الكثير من الشعراء معارضتها، ومن أشهر من قام بهذا أمير الشعراء أحمد شوقى في قصيدته نهج البردة، وكذلك محمود سامي البارودي.

 

وتتلمذ على يد الإمام المرسي أبوالعباس بالإسكندرية ودفن في مسجده أمام مسجد المرسي أبو العباس. عُني البوصيري بقراءة السيرة النبوية، وأفرغ طاقته وأوقف شعره وفنه على مدح الرسول، وكان من ثمار مدائحه النبوية بائياته الثلاث، وقد استهل الأولى:

وافاكَ بالذنب العظيم المذنبُ      خجلا يُعنفُ نفسَه ويُؤنِّـبُ

واستهل الثانية بقوله:

بمدح المصطفى تحيا القلوبُ            وتُغتفرُ الخـطايا والذنوبُ

أما الثالثة فيبدؤها بقوله:

أزمعوا البين وشدوا الركابا       فاطلب الصبر وخلِّ العتابا

 

 

وله أيضًا قصائد أخرى من المدائح النبوية منها قصيدته "الحائية"، التي يقول فيها مناجيًا الله:

يا من خـزائن مـلكـه مملوءة            كرمًا وبابُ عطائه مفتـوحُ

ندعوك عن فقر إلـيـك وحاجة     ومجال فضلك للعباد فسـيحُ

فاصفحْ عن العبد المسيء تكرُّمًا   إن الكريم عن المسيء صفوحُ

 

وقصيدته "الدالية" التي يبدؤها بقوله:

إلهي على كل الأمور لك الحمد   فـليس لما أوليتَ من نعمٍ حـدُّ

لك الأمر من قبل الزمان وبعده    وما لك قبل كالزمــان ولا بعدُ

 

واستهل البردة:

أَمِـنْ تذكّر جيـرانٍ بذي سلم       مزجتَ دمـعًا جرى من مقلـة بدم

أم هبت الريحُ من تلقاء كاظمةٍ    وأومـضَ البرقُ في الظلماء من إِضَـم

فما لعينيك إن قلت اكففا همتا            وما لقلبك إن قلت استفق يهم

 

 

وأشهر بيت في هذه القصيدة هو:

مولاي صل وسلم دائمًا أبدا       على حبيبك خير الخلق كلهم

وقد ظلت تلك القصيدة مصدر إلهام للشعراء على مر العصور، يحذون حذوها وينسجون على منوالها.

الجريدة الرسمية