رئيس التحرير
عصام كامل

العراق فوق صفيح ساخن

أؤكد أن الوضع فى العراق معرض للتصعيد خلال الأيام القليلة القادمة، وقد ينزلق بالبلاد إلى موجة جديدة من العنف والمواجهات المسلحة تزيد من معاناة ملايين العراقيين، لاعتراض بعض القوى على نتائج الإنتخابات البرلمانية، كنتيجة مباشرة للنظام الطائفي الذي زرعه الأمريكان فى البلاد، والذي استبدل وحدة الشعب القائمة على المواطنة بنظام محاصصة رسخ للمذهبية والعرقية.

فالمتابع للمشهد العراقي منذ الغزو الأمريكي في عام 2003 يستطيع أن يجزم بأن الحاكم الأمريكي لبغداد فى ذلك الوقت "بول بريمر" نجح في تدمير البلاد سياسيا واقتصاديا وعسكريا، بعد أن قام بتشكيل ما يسمى ب "مجلس الحكم" الذي استبدل وحدة العراقيين بمفاهيم طائفية وعرقية، قسمت سلطات الدولة طبقا لانتماءات مذهبية وعرقية، ورسخها بشكل أكبر في "قانون الدولة" الذي أصدره في مايو من ذات العام كوثيقة دستورية مؤقتة، ترتب عليها أيضا اقتسام سلطات الدولة على ذات الأسس المقيتة.

 

وللأسف، ظلت بذرة الطائفية التي زرعها الأمريكان منذ 2003 تنمو وتترعرع وتضرب بجذورها فى النظام السياسى العراقى برعاية العديد من القوى، إلى أن تحولت إلى شجرة ضخمة تضرب بجذورها في أعماق البلاد، وأصبح من الصعب حتى تقليم فروعها، ولاسيما بعد أن حل "بريمر" الجيش العراقي، واستبدله بكيان هش، رسخ لظهور ميليشيات أكثر قوة، ثم أعقب ذلك بـ" مذكرة الحماية" رقم 3 لسنة 2003 والتي تعد بمثابة فضيحة دولية، وفرت دون سند قانوني حماية للآلاف من اللصوص والفاسدين من قوات التحالف والأجانب والعراقيين الذين قاموا بنهب وتجريف لكل ثروات العراق.

نتائج الانتخابات

وجميعها عوامل رسخت لعراق جديد، تحول فيه السواد الأعظم من الشعب إلى فقير مقهور، يخضع لسيطرة كاملة من مليشيات وطوائف تمتلك المال والسلاح، وقادة مرفهون لا هم لهم سوى السيطرة على السلطة بدعم من قوى إقليمية، في الوقت الذي ضرب فيه الفساد كل قطاعات الدولة، وانقلبت الأوضاع الاقتصادية لدرجة حولت البلد المصدر الأول للبترول في العالم إلى مستورد له، ومن دولة صناعية إلى دولة تستورد حتى البسكوت والزبادي، ومن دولة زراعية إلى بلد لا مكان بأرضه الخصبة سوى للخراب.

وكما هو متوقع، ونتيجة لإرث الماضي الذي رسخة الأمريكان، كان لابد أن تتشكك كل القوى الخاسرة فى نتائج الانتخابات التي لن تغير في الواقع الكارثي للعراق شيئا، حيث حصدت كتلة "ثائرون" التى يتزعمها رجل الدين الشيعي "مقتدى الصدر" على الاغلبية بـ 73 مقعدا، فى حين منيت ائتلافات شيعية وسنية أخرى بهزيمة مدوية، جعلتها جميعا تشكك فى النتائج وتهدد بفتح المجال أمام كل الخيارات لتغيرها، في ظل توافر المال والمليشيات والسلاح المنفلت.

ففى مفاجأة لم يتوقعها أحد، منى "ائتلاف الفتح" بزعامة هادي العامري القائد الأسبق للحشد الشعبي بهزيمة مدوية، حيث لم يستحوذ سوى 14 مقعدا فقط، في مقابل 47 مقعدا كان قد حصدها في الانتخابات الماضية.

كما منى "ائتلاف الدولة" الذى يقوده كل من المرجع الشيعى عمار الحكيم، ورئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، بانتكاسة مدوية، حيث لم يحصل سوى على 4 مقاعد فقط، فى مقابل نجاح ائتلاف "دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء العراقي السابق "نوري المالكي" فى احتلال المرتبة الثالثة بـ 37 مقعدا بزيادة بلغت 15 مقعدا عن الانتخابات الماضية.

وفى الجبهة السنية، حل تحالف "تقدم" بقيادة رئيس البرلمان "محمد الحلبوسي" فى المرتبة الثانية ب 43 مقعدا، وحصد ائتلاف "العزم" بزعامة خميس الخنجر 17  مقعدا، فى حين فشل تحالف "المشروع الوطني للإنقاذ" برئاسة أسامة النجيفي في الاستحواذ على أية مقاعد.

التخلص من الفساد

كما نجحت الأحزاب الكردية في خطف عدد من المقاعد تمكنها من التواجد في الحكومة الجديدة بشكل جيد، حيث نجح الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة "مسعود برزاني" في حصد 32 مقعدًا، واستحوذ حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة عائلة "طالباني" على 17 مقعدا، وحصدت قوى "الجيل الجديد" في السليمانية على 9 مقاعد.

فى الوقت الذى نجحت فيه الدماء الجديدة من وحركة "إمتداد" وحزب "إشراقة كانون" والمستقلين من "ثوار تشرين" فى الحصول على عدد لا بأس به من المقاعد، زادت من أحزان عدد كبير من السياسيين البارزين الذين أخفقوا في الإبقاء على مقاعدهم الفردية، مثل رئيسي البرلمان السابقين "أسامة النجيفي وسليم الجبوري" ووزير الدفاع السابق "خالد العبيدي" والقيادي في حزب الدعوة "خلف عبد الصمد" ورئيس الحزب الإسلامي "رشيد العزاوي" والوزير الأسبق "سلمان الجميلي" ونائبين السابقين "ظافر العاني، وحسن سالم" وهو ما رأت فيه القوى الخاسرة تزويرا لإرادة الناخبين.

فى حين تبقى الحقيقية المرة التى يعلمها كل الساسة في العراق، ألا وهى أن البلاد فوق صفيح ساخن قد ينزلق بها إلى موجة من العنف لن تزيد العراقيين إلا آلما فوق آلامهم.. وتبقى الحقيقة الأكثر وضوحا، أنه لا خلاص للفساد الشامل الذى ينخر فى جسد العراق، سوى بتنفيذ ما طالب بها الوطنيون من ثوار تشرين، بإسناد حكم البلاد للجيش العراقى  بالإشتراك مع حكومة وطنية مصغرة، تتولى إعداد مشروع دستور وطني جديد قائم على المواطنة، ينسف الإرث الطائفي والمذهبي والعرقي الذي زرعه الأمريكان، مع حل كافة المليشيات، وحصر السلاح بيد الدولة، والإعداد للانتخابات برلمانية ورئاسية جديدة طبقا لقانون انتخابات جديد لا مكان فيه للمحاصصة، يدفع بالعلماء والكفاءات العراقية إلى صدارة المشهد، كبديل لتجار السلطة القابعون على قلب الشعب منذ 18 عاما.. وكفى.

الجريدة الرسمية