رئيس التحرير
عصام كامل

سلسلة ما وراء التسريحة 9

العائد من الموت
عندما نسجت العناكب خيوطها حولي داخل الشق الصغير في الجدار، الذي كنت أختبئ فيه، شعرت بأنفاسي تتلاشى وضاق صدري، وكأن حسنات زوجتي العقربة قد جلست فوقي بحجمها الذي يضاهي تريلا بمقطورة، وفجأة أظلمت الدنيا وشعرت بأن قوة خفية تسحبني للوراء، لأنطلق بسرعة صاروخ في فضاء مظلم.. أشد إظلاما من سواد قلب عم رجب كبير العاملين بالمشرحة.


لم أدرك وقتها أنني ميت، فذاكرتي ممسوحة كعقل طفل ولد للتو، لا شيء على الإطلاق، حتى إنني لم أكن أعرف من أنا في هذه اللحظات المرعبة، التي كان فيها جسدي خفيفا كطيف يسري في اللاشيء.

وفجأة، تحول الظلام إلى نور شديد، لا يرى معه شيء.. فقط نور يعمي الأبصار ويحيد الحواس، فلا تعرف ماذا أنت وماذا يحدث! ودون سابق إنذار، توقف طيفي عن الحركة، ووجدتني أقف عاريا بلبوصا كيوم ولدتني الحاجة، رحمها الله، وشعرت بقدمي تلمسان عشبا يدغدغ باطن قدمي، ولولا جلال الموقف لمت من الضحك، فأنا أكره الدغدغة، لأنها تحولني إلى كائن لا يسيطر على أفعاله يلطش بيديه وقدميه ذات اليمين وذات الشمال.

سلسلة ما وراء التسريحة (8)

ها أنا أرى نفسي داخل مساحة شاسعة من الأرض الخضراء المغطاة بالعشب.. أرض ممتدة لأبعد مما يمكن للبصر أن يدركه.. منظر يبدو للوهلة الأولى مريحا للعين، غير أنني بعد لحظات أدركت أنني في مكان لا أعرفه، فترى هل مت وهذه هي الجنة، لكن كيف هذه الجنة وأنا لا أرى أشجارا تحمل ثمار فاكهة عجيبة وليس هناك نهرا من عسل ولا لبن.. أم أنني قد حملت إلى النار.. لكن أي نار هذه التي لا حرارة فيها وأثر للسان لهب واحد يتراقص كما لسان الدكتور فرغلي السليط!

كثير من الأفكار كانت تعدو داخل عقلي وكأنها كلاب في سباق كبير. وأخيرا، هل علي شخصا بملامح سمحة، لا أدرك اسمه لكن أنا أعرفه، متأكد من أنني أعرفه تمام المعرفة، ربما يكون صديقا أو زميلا أو جارا.. حيرة كبيرة تنتابني وأنا أفكر في من يكون ذلك الرجل الطيب.

اقترب الرجل مني وجلس على الأرض، ثم أشار لي بأن أجلس، ففعلت، وأخذ ينظر إلى وهو يسرح شعر لحيته البيضا، تلك التي تشبه لحية الساحر جاندالف، وحين أردت أن أسأله عن اسمه ومن يكون، وجدتني غير قادر على الكلام، حاولت أن أرفع صوتي قليلا فلم أفلح، صرخت فلم يصدر عني صوت!

استسلمت أخيرا وحين هممت بالجلوس وجدتني أسبح في الهواء حول الرجل، فشعرت وكأنني قمر يدور حول كوكب، ثم راحت سرعة دوراني تزيد شيئا فشيء، ومن وقت لآخر كنت أرى شخصا جديدا يدور معي في المدار نفسه حول الرجل، وراح العدد يزيد، ومن بين هؤلاء تعرفت على أحدهم، إنه شقيقي محسن..
محسن؟! ما هذا؟ إنه ميت منذ كان في التاسعة من عمره، أي قبل نحو ثلاثين عاما، فمن أين أتى؟!

سلسلة ما وراء التسريحة 7

وقبل أن تتملكني الدهشة، ميزت وجه جدتي سعاد من بين الطائفين معي حول الرجل الذي يشبه الساحر جاندالف.. هي الأخرى ماتت قبل سنين من الآن، ومرة أخرى قبل أن تزداد دهشتي، بدأت أتعرف على المزيد من الوجوه، وبالطبع لست في حاجة إلى أن أخبركم بأن جميعهم ميت.

إذا أنا في مكان يجتمع فيه الأموات، وبما أن عودة الموتى أمر غير منطقي، فالأقرب أنني أنا من مات وانضممت لهم.

زادت سرعة دوراني حول الرجل العجوز، بشكل كبير، جعلني لا أراه، إذ بات وكأنه مجرد بؤرة من الضوء، ثم تلاشى تماما، ووجدت طيفي ينطلق بسرعة كبيرة جدا في نفق يشبه مواسير الصرف الصحي، التي حفرت لها البلدية شوارع الحي قبل عامين، ثم غطتها بالتراب وكأنها تدفن ميتا، قبل أن تعاود الكرة لتنبش رفاتها، إذ قال المسئول وقتها إن العمال أخطأوا ولم يحكموا توصيل المواسير ببعضها جيدا، ما تسبب في رشح التربة كما الرضيع الذي لم تحكم أمه إغلاق البامبرز.

لفظتني الماسورة، أو ذاك النفق العجيب، فوجدتني في أرض متشققة بها نباتات عالية لها أغصان متشعبة تنتهي فروعها برؤوس ثعابين تتلو كما الراقصات الأجنبيات، اللائي أراهن يتشنجن عضليا في رقصاتهن التي أشاهدها خلسة على يوتيوب دون علم حسنات.

امتلأ قلبي بالرعب وأنا أرى تلك الثعابين تتلوى أمامي وتقترب مني، بينما أصوات تهمس «هو المرصود.. هو المطلوب»، وحينها تيقنت أنني هالك لا محالة، ومع ذلك أخذت أركض وأركض كما حرامي غسيل ضبطته ربة منزل تبحث عمن تفش فيه غليلها بعد خناقة كبيرة جمعت بينها وبين راجلها قبل العيد الكبير.

إن أسوأ ما يمكن أن يواجهه المرء هو أن يفر من مكان لا يعرفه إلى مكان لا يعرفه. في هذه الأثناء، كنت أركض بسرعة تشبه سرعتي حين كنت طفلا، يجري في شوارع الحارة حافيا، وراء الكرة، بينما الرفاق يطاردونه قبل أن يحرز هدفا في المرمى الخالي من حارسه.. قلبي ينبض بقوة ونفسي يشق صدري، وأنا أواصل الركض.

الغريب أنني في ذلك الوقت شعرت وكأنني مجرد عين تمر بسرعة كبيرة بين سطور كتاب كبير، سطور أشعر أنها مألوفة وإلى جوارها صور تشبهني، لكنها ترصد مراحل مختلفة من حياتي.. ترى هل هذا هو كتابي أم أنني أهلوس؟!

وهكذا أخذت أركض بسرعة بين السطور، أطالع أحداثا مرت بي في مختلف مراحل عمري، منذ كنت طفلا، حتى اليوم الذي قررت فيه أن أصنع تركيبة الدكتور فرغلي كي أصبح في عقلة الأاصبع من أجل أن أدخل إلى ما وراء التسريحة للبحث عن سلسلة مفاتيحي، حتى أتمكن من فتح المشرحة التي أعمل بها قبل أن يعود عم رجب ويكتشف غيابي، فضلا عن خوفي من أن تتعفن الجثث داخل التلاجة التي انقطع عنها التيار الكهربي.

شاهدت نفسي حين كنت أسرق البيض من عشة الخالة سوسن، ورأيتني وأنا أتلصص على جارتنا فتحية وهي تستحم.. يالا قذارتي؟! طالعت الكثير والكثير من المواقف والأحداث التي كنت أنا بطلها طيلة حياتي، بعضها جيد والكثير منها أخجل من مجرد ذكره، ترى هل يعاملني الله بما اقترفت أم يعاملني بكرمه ولطفه؟!

كثير من الأسئلة والمخاوف تداعت إلى ذهني، إلى أن انتهيت من مطلعة سطور الكتاب الكبير، ووجتني أنام على طرفه كما الجنين في بطن أمه، بينما يد كبيرة تربت على جسدي العاري تماما، ورغم أنني لم ألتفت إليها شعرت أنها يد أمي، فلازلت أذكر ملمس يدها الحانية، لا شيء يضاهي ذلك الشعور حتى أنني غفوت.

لا أعلم كم لبست، لكنني أتذكر حين فتحت عيني فوجدت مخلوقا عجيبا ينظر نحوي بينما الدماء تقطر من بين أنيابه.
الجريدة الرسمية