نافذة على الوعي 16.. جهالات معرفية ولوثات ثقافية (الجزء الثاني)
توقفنا في الجزء الأول عند فراس السوَّاح الذي راح علی نحو غريب يخلط بين الدعاوى والادعاءات، وينطلق دون قيد علمي أو منهجي في عملية تفكيك وتركيب وترحيل وتقديم وتأخير وانتقائية عشوائية واجتزاء وابتسار. فجاءت نزواته الفكرية خبط عشواء لحاطب ليلٍ ذي حصاد كَلَحْم جَمَلٍ غث على قمة جبل وَعْر يفتقد القيمة والجدوى، وذلك مثل نزواته الإيديولوجية في الادعاء بأنه:
1- لا فرق بين الأديان التوحيدية والديانات الوثنية، فكلها تجليات للإله المعبود الذي أخبر عنها في كتابه بقوله: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) بمعنى أنه حَكَم بها وليس أمَرَ، وبالتالي فعبادة الأوثان تأتي بحُكْمه وعِلمه وليس بالمخالفة.
وفضلا عن أن مسيخ هويتنا في تلك النزوة يكذِّب اللهَ تعالى الذي نفى عن نفسه سبحانه قبول الكفر من عباده أو الشرك به بعبادة وثنٍ أو مخلوق كائنا من كان: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا).
لكنّ مسيخ هويتنا في تلك النزوة يسير على طريقة التلفيق الفكري المشهورة لدى مسخاء الهوية وزائف الوعي في (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ)، فلو أنه أكمل بقية الآية: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)، لعرف أن الله قد قضى كذلك بالإحسان إلى الوالدين.
فهل كل عقوق للوالدين مما يفعله بعض الناس هو وجهٌ من وجوه الإحسان إلي الوالدين والبر بهما مما قضى به الله كذلك؟ وأنه ليس بالمخالفة، وأن عقوق الوالدين مثل عبادة الأوثان أمرٌ تعبدي محبوب من الله؟!
ولأن مسيخ هويتنا لم يتأمل عن معرفة بأصول اللغة العربية في معنى كلمة (قضى) في القرآن الكريم ذات الاستعمال متنوع المقاصد، فيكفي في هذا المقام أن نرشده إلى استعمال قرآني لكلمة قضى في قوله تعالي: (فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مّبين) فهل معنى قضى هنا هو حكم؟
وهل معنى قضى في قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) هو حَكَم ؟
ومن الواجب كذلك إرشاده إلى نوعين من القضاء والإرادة والمشيئة الإلهية إحداهما كونية والأخرى دينية تتعلق بما يحبه الله ويرضاه دينًا من الناس. فالله يحب للناس ويرتضي التوحيد والهداية والصلاح محبةً ورضاء دينيًا، لكنَّه يسمح كَونيّا بوجود الوثنية والكفر والضلال کي يحقق العدل التام بمنح الإنسان حق وحرية الاختيار فى مقابل الثواب على الإيمان والجزاء العقابي على نواقض الإيمان والصلاح والهداية.
2- القصص القرآنى سواء قصة آدم أو غيره من الأنبياء خاصة إبراهيم وداود وسليمان هي قصص غير حقيقية بل مجرد رموز لمعاني في القصص. ومع أن ذلك تكذيب صريح لله القائل في قصة يوسف بسورة يوسف: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَاك أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْك لِي سَاجِدِينَ).
فإنه من جهة أخرى طعن في قدرة الله على عقاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدَّثته نفسه بأن يزيد حرفا واحدا على كلام الله المنزل في القرآن الكريم: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ).
وكيف يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث نفسه بشيئ لا يستطيعه أصلا لأن نطقه بالقرآن قد تم منع هوى النفس عنه وميلها إلى شيئ آخر سواه لأن نطقه بالقرآن محكوم بالوحي الخالص المعصوم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ).
3- نفي عالمية رسالة الإسلام، ونفي إرساله صلى الله عليه وسلم أية رسائل للملوك والحكام كهرقل والمقوقس وكِسْرى، وبالطبع لم يرجع مسيخ هويتنا للنص القرآني الحاسم في عالمية الإسلام وعلى لسانه صلى الله عليه وسلم مرةً: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). وكذلك قولا من الله ومَنْ أصدق من الله قولا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).
ولو أننا طالبنا مسيخ هويتنا بالرجوع إلى كتاب العلامة محمد حميد الله الحيدرآبادى (مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة) الذي قام فيه بالتوثيق العلمي الفريد لتاريخانية تلك الرسائل لكنا قد أسأنا بمسيخ هويتنا ظنًا بأنه باحثٌ عن الحقيقة العلمية أو أنه يوظف البحث العلمي في مظانه التنويرية.
4- النبي محمد صلى الله عليه وسلم شخصية دينية تاريخية إصلاحية يُدْرس كبَشَر نشأ مسيحيا في سوريا وتعلم على أيدي نصارى الشام وخاطبهم بخطابهم لأنه لم يُرسَل إلى الوثنيين.. ولا ندري لو بُعث اليوم القس الإسكتلندي مونتجمري وات صاحب الموسوعة البحثية حول حياة النبي صلى الله عليه وسلم بأجزائها الثلاثية (محمد في مكة؛ محمد في المدينة؛ محمد النبي ورجل الدولة) بأي حديث وأية عبارة كان سيرد على دعوى السواح بأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان سوريًّا؟
ولا ندري من أين تأتي هذه الجرأة على الله وعلى كتابه الكريم الذي جعل الحنيفية ملّة إبراهيم عليه السلام هي ملَّة محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين كما قال تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)؛ وأن الإسلام بمعناه العام والخاص بكونه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قد اختاره الله سبحانه بنفسه للمسلمين شعارا وانتسابا حصريا واسمًا ومسمى ومضمونا وشرعة ومنهاجا:
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ).
تماما كما جاءت الحنيفية والإسلام تسمية حصرية لملة إبراهيم التي جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون برسالته امتدادًا لها: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ).
5- القرآن الكريم يجب أن يدرس في سياقه التاريخي والثقافي كأي نَصٍ أو أسطورة قديمة من منتجات القرن السادس الميلادي.
6- الإسلام نتاج تفاعل ثقافي وديني مع اليهودية والمسيحية؛ فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قد استعار مضمون كتاب التوراة وكتاب الإنجيل.
7- الأوائل لم يفهموا لغة القرآن بينما السوَّاح هو من يفهم لغة القرآن.
أي أننا يجب أن نصادم جميع قواعد المنطق ومقررات العقول وأسس المعارف والعلوم اللغوية والبلاغية، فنصدق بأن عبد القاهر الجرجاني الذي استخلص نظرية النظم القرآني في كتابه دلائل الإعجاز؛ أو الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن؛ أو السيوطي في كتابه معترك الأقران في إعجاز القرآن؛ أو الخطّابي أو الرّماني.. إلخ لم يفهموا لغة القرآن وفهمها السَّوّاح؟!
وقد كان من الممكن للسواح أن يختلف مع تفسيرات الأقدمين لكتاب الله فيرفض تأويلاتهم للقرآن وتدبراتهم له لأن ذلك باب تتفاوت فيه العقول والمدارك والأفهام وتتطور الرؤى وتتغير أدوات الدرس والنظر.
لكن أن يرميهم بعدم فهم لغة القرآن الذي نزل بينهم بلغتهم وحفظوه في صدورهم وتدارسوه في مجالسهم وتعهدوه ببحوثهم وأنظارهم؛ فذاك من العجب العجاب الذي لولا أن السواح ادعاه ما صدقنا أن عاقلا يقول به إلا هاذيًا أو مفتريًا.