نافذة على الوعي (15).. الوعي الزائف في أوهام الخطاب العلماني
لم يكن مفاجئًا لي على الإطلاق الاستقبال الحَفِيّ لنافذتنا السابقة حول نَعْي العلمانية؛ ذلك الاستقبال الحسن الذي أبان بجلاء عن تَجَذُّر عمق الوعي الفكري الرشيد للعقل المصري تجاه مهددات الهوية الحضارية والتماسك الوطني والقيميّ والاجتماعي الذي تمثله العلمانية؛ وما تمثله كذلك من مخاطر على سلامة البنيان الروحي والوجداني الفطري للأمة المصرية.
ولا يَقِلُّ عنهما خطورةً ذلك النزوع في الخطاب العلماني إلى مصادمة العقل الجمعي للأمة من خلال مجموعة المتناقضات الفكرية والايديولوجية التي انطوى عليها ذلك الخطاب المنفلت عَبْر مُسَوِّقيه من أدعياء التنوير وتجار الحداثة والعصرنة.
تلك المصادمة التي لا ينفر منها الوعي الجمعي اليوم فحسب بل قد ترتب عليها نشأة التطرف اللاديني المعاصر بمجتمع التدين الفطري، ذلك التطرف الذي كان السبب وراء ظهور جرثومة التطرف الديني بتشكلاته المتنوعة لمواجهة التطرف العلماني.
مما ألزم الوطن والعقل المصري بأمرين جليلين:
1. ضرورة البحث عن طريق للنهضة آمن بمنأى عن فُسطاطَي التطرف؛ فسطاط مطرقة اللادينية العلمانية، وفسطاط سندان غُلُو العباءة الدينية.
2. حتمية تفكيك الخطاب العلماني المتشدد شرطًا لتفكيك النزعة والتيارات المتطرفة دينيًّا وإيديولوجيًّا، لأن منطق التطرف واحد في كليهما وهو الإلغاء، إلغاء الآخر المختلف والمغاير باللون والجنس واللغة والمعتقد والدين والمذهب والقبيلة والعشيرة والعائلة.
وذلك تطلعًا إلى تأسيس واحدية تجانس حضاري ذي قدرة على بناء فضاء عام يتسع للجميع تحت مظلة الهوية الحضارية المصرية. وهذا التفكيك الحتمي المنشود لأوهام الخطاب العلماني تمهيدا لتحقيق شروط انطلاق مسيرة النهضة القائمة على منطلقات الهوية الحضارية للأمة يستلزم أمرين كذلك:
الأول: مجابهة محاولة تصنيم الخطاب العلماني ومسوِّقيه وأدواته التي جعلت من السردية العلمانية ما يشبه الإيديولوجيات أو الدين الصنمي الجديد الذي يكمن خطره في تحويل الإنسان إلى كائن بلا جذور أو قِيم، والأمة إلى مجتمع بلا ذاكرة، والحضارة إلى استهلاك ثقافي عابر دون معادلة حضارية تحفظ الثوابت وتستوعب المستحدثات الرشيدة وتجمع بين الانتماء الوطني والرسالة الإنسانية لتظل الهوية راندا فاعلا وليس مادة ذائبة في تيارات الحضارة.
الثاني: تفنيد مفردات تُرُّهات الوعي الزائف التي تنفثها أدوات الخطاب العلماني.
وتلك المهمة من أوجب الواجبات لأن الخطاب العلماني إن كان عاجزا بمضمونه ومنطوقه سوى عن سُكْنى بعض الأبواق التي تحترف إحداث ضجيج الأواني الفارغة والطبول الجوفاء ذات القدرة والأرصدة الكبرى في مجال تشكيل الظواهر الصوتية من خلال موجات الوعي الزائف التي تبثها.
فإن أخطر ما في الوعي الزائف أنه لا يُشْعر صاحبه بأنه مخدوع، بل يجعله يظن أنه يمتلك الحقيقة المطلقة.
ومن هنا فإن أوهام الخطاب العلماني تكمن في دعوته إلى العقل أو العلم أو الحرية ليس كقيم إنسانية نبيلة، بل كتصورات فلسفية وفكرية تمثل قطيعة مع الهوية مع تمريرها كمسلمات كونية غير قابلة للنقاش. وهذا الوعي الزائف المتدفق من أبواق العلمانية هو حالة من الإدراك المشوَّه للواقع.
إذ يتبنى الإنسان من خلاله أفكارًا أو تصورات ومفاهيم يظنها تعبيرًا عن حريته واستقلاله الفكري، بينما هي في حقيقتها نتاج عمليات معقدة من التوجيه الثقافي والإعلامي والأيديولوجي الذي يسعى إلى إنتاج منظومة إدراكية جديدة تعيد تفسير الإنسان والتاريخ والدين والمجتمع وفق مرجعيات مغايرة للمرجعية الحضارية المصرية.
ويُعد الوعي الزائف من أقدم الوسائل التضليلية فى العالم، فأول ناشر للوعي الزائف، وأول صانع محتوى فيه هو إبليس، ومن عجائب الأقدار أن يتشابه محتوى ذلك الوعي الزائف مع محتوى الوعي الزائف الذي تنشره العلمانية سواء في المنهج أم الغاية.
كما يتشابهان كذلك في أن صانع الوعي الزائف فى كليهما قد تَشكَّل وعي زائف داخله هو ذاته قبل أن يتمكن من صناعة الوعي الزائف ثم القيام بنشره.
فإبليس قد تَشكَّل داخله وعي زائفٌ عندما توهَّم أنه أفضل من آدم لأن آدم خُلق من الطين بينما إبليس خُلق من النار ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)، وقد غاب عنه الوعي الصحيح بأن الماء والتراب والهواء والنار هى العناصر الأربعة الأساسية المكوِّنة للعالم دون تمايز بينها سوى في نِسَب الوجود بما يلائم الحياة على وجه الأرض.
وانطلاقا مما ترتب على ترسُّخ الوعي الزائف داخل إبليس قام بصناعة أول محتوى وعي تضليلي زائف فى التاريخ ؛ للانتقام من آدم وحواء وإخراجهما من نعيم هداية الله وطاعته؛ كي ينالا الشقاء والعناء بالخروج من الجنة جزاءً لهما بعد أن أوهمهما بأن الأكل من الشجرة المحرَّمة سيقودهما إما إلى أن يكونا مَلَكين او يتحقق لهما الخلود:
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ).
ومن بعد إبليس قام فرعون أيضا بصناعة وعي تضليلي زائف كان أساسًا لوعي زائف تبنَّاه الخطاب العلماني ألا وهو (أنسنة الإله)، أو قَتْل الإله ليحل الإنسان محله، وذلك عندما قام فرعون بأول عمل إعلامي تضليلي لنشر الوعي الزائف: (فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ).
وربما يثور تساؤل يجدر التوقف أمامه قبل الشروع في استخلاص مفردات الوعي الزائف فى أوهام الخطاب العلماني وبيان مخاطرها ومظاهر تأثيرها. ألا وهو ماهية الأسباب التي كانت وراء تدليس مروجي أوهام الخطاب العلماني على مواطنيهم عندما قاموا بترجمة كلمة (Secularism) إلى اللغة العربية على أنها العَِلمانية سواء بفتح العين أم بكسرها.
فتلك الأسباب لا يمكن ردها إلا إلى خشية مسوِّقي الخطاب العلماني من رفض الفطرة الإيمانية
بشقيها الإسلامي والقبطي بمصر لمضمون العلمانية ومحتواها ومآلاتها. فدوائر المعارف البريطانية والأمريكية تُصنِّف العلمانية بوضوح ضمن اللادينية Irreligion إلى جانب الإلحاد والعقلانية واللأدرية.
كما أن عددا من المفكرين الغربيين مثل جورج هوليوك المؤسس النظري للمصطلح يرون أن العلمانية قد تجاوزت مجرد الفصل المؤسسي بين السلطة والدين، ويقنن المصطلح بأنه نظام للحياة يقوم على الاعتبارات المستمدة من هذا العالم باعتمادها على القيم الإنسانية والعقلانية بدلًا من العقائد الدينية في تفسير الحياة وتنظيم المجتمع.
وإذا كان كريستوفر هيتشر يرى الدين أهم عقبة أمام التقدم الإنساني، ويدافع عن العلمانية بوصفها بديلا للمرجعية. فإن النموذج الذي يطرحه ريتشارد دوكينز للعلمانية فيجعلها إطارًا ثقافيًا للإلحاد العملي.
فهل يمكن القول بعد ذلك كله إن التنوير بالتزوير والمغالطة والتلفيق هي ممارسات لتزييف الوعي وأدوات مستباحة في الخطاب العلماني؟
