فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

انتصرت مصر.. وعاد الفرح إلى الشوارع!

هناك انتصارات تُضاف إلى سجل النتائج، وهناك انتصارات تُضاف إلى ذاكرة الشعوب. وفوز مصر على نيوزيلندا لم يكن مجرد ثلاث نقاط في بطولة كأس العالم، بل كان لحظة نادرة أعادت إلى المصريين شعورًا افتقدوه طويلًا؛ شعور الفرح الجماعي الذي لا يُشترى، ولا يُفرض، ولا تصنعه البيانات الرسمية، وإنما تصنعه لحظة صدق يلتقي فيها الوطن بأحلام أبنائه.


وإذا كان لكل انتصار عنوان، فإن عنوان هذا الانتصار كان محمد صلاح، ذلك اللاعب الذي اعتاد أن يحمل على كتفيه أحلام أمة كاملة، فيواجه الضغوط بابتسامة، ويجيب على المشككين بالأهداف والتمريرات الحاسمة والأرقام التي تتحدث عنه أكثر مما يتحدث هو عن نفسه. يواصل كتابة التاريخ بحروف من ذهب، ويضيف إلى سجله إنجازًا بعد آخر، حتى أصبح إنكار قيمته لا يصدر إلا عن متعصب أو حاقد، لأن لغة الأرقام لا تعرف المجاملة، ولا تعترف بالأهواء.


صلاح لم يكن وحده بطل المشهد، بل كان هذا الجيل كله على قدر المسؤولية. لعب بروح المقاتل، وآمن بأن القميص الذي يرتديه ليس مجرد زي رياضي، وإنما راية وطن ينتظر من يرفعها عاليًا. لذلك جاء الأداء منظمًا، وجاء الانتصار مستحقًا، وجاءت الفرحة بحجم الانتظار.


وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية حتى خرج المصريون إلى الشوارع، في ساعات الصباح الأولى، يهتفون، ويغنون، ويرفعون الأعلام. لم يسأل أحد عن موعد العمل أو عن مشقة اليوم التالي، لأن الفرح الحقيقي لا يعترف بالساعات. 

كانت تلك المشاهد رسالة أبلغ من آلاف الكلمات، تؤكد أن هذا الشعب متعطش لجرعة أمل، وأنه لا يزال قادرًا على الاحتفال عندما يجد سببًا يستحق الاحتفال.


لقد نجحت كرة القدم، في ساعات قليلة، في أن تصنع حالة من البهجة العامة، وأن تجمع المصريين على ابتسامة واحدة، وهو أمر تعجز عنه أحيانًا ملفات السياسة والاقتصاد والإدارة العامة. فالمواطن الذي أثقلته هموم المعيشة، وتابع الجدل حول العدادات الكودية، وقرأ النقاشات الدائرة بشأن التحول إلى الدعم النقدي بدلًا من الدعم العيني، وراقب السجال المتعلق بقانون الأحوال الشخصية، وما يحيط به من تساؤلات، واستمع إلى أخبار القروض والديون وبيع بعض الأصول العامة وما تثيره من مخاوف وتساؤلات لدى قطاعات من المواطنين، وجد في هذا الفوز مساحة يلتقط فيها أنفاسه، ولو لساعات.


ولعل الرسالة الأهم هنا أن الشعوب لا تعيش بالخبز وحده، كما أنها لا تعيش بالإنجازات الرياضية وحدها. فهي تحتاج إلى سياسات ناجحة تمنحها الثقة في المستقبل، كما تحتاج إلى لحظات فرح تعيد إليها الإيمان بأن الغد قد يكون أفضل. والنجاح الحقيقي لأي دولة هو أن تجعل أسباب الفرح متعددة، لا أن يبقى الانتصار الكروي هو الاستثناء الوحيد وسط زحام الأعباء اليومية.

مبروك لمصر.. ومبروك لهذا الجيل الذي أحسن استثمار موهبته، واستفاد من الظروف، وقدم أداءً يليق باسم الوطن. وما زالت المهمة لم تنتهِ، فما ينتظر المنتخب أمام إيران لا يقل أهمية، بل قد يكون بوابة العبور إلى مرحلة جديدة من الحلم.

كل الأمنيات أن يحافظ اللاعبون على الروح نفسها، وأن يواصل محمد صلاح ورفاقه كتابة التاريخ، وأن يمنحوا المصريين سببًا جديدًا ليخرجوا إلى الشوارع، لا هربًا من همومهم، بل احتفالًا بوطن يستحق أن يفرح.