وإن جيت جبتهولك؟!
هناك أسئلة في الحياة لا تنتظر إجابة.. أسئلة تطرح لا للاستفهام، وإنما لإعلان النصر. ومن أشهر هذه الأسئلة، وأكثرها رعبا في التاريخ المصري الحديث، سؤال الأم الخالد: وإن جيت جبتهولك؟!
وهو سؤال لا يختلف كثيرا عن الإنذارات العسكرية التي تسبق الضربات الجوية.
فأنت تكون جالسا في أمان الله، واثقا من براءتك، مطمئنا إلى أنك أخفيت الشيء المطلوب في مكان لا يمكن لبشر أن يعثر عليه، ثم تفاجئك والدتك بنظرة غامضة وتسألك: فين الكتاب؟ فترد بثقة المجرم الذي أتقن الجريمة: مش لاقيه. فتسألك للمرة الثانية: يعني مش لاقيه؟ فتزداد ثقة: أيوه.. مش لاقيه.
عندها يظهر السؤال النووي: وإن جيت جبتهولك؟! وهنا فقط تدرك أن القضية انتهت، وأن المحكمة أصدرت حكمها بالفعل، ولم يتبق سوى تنفيذ العقوبة. الحقيقة أن الأمهات يمتلكن جهاز مخابرات خاصا بهن لا يخضع لأي رقابة دولية. ولا نعرف حتى الآن كيف يعمل.
فالأم تعرف أن ابنها فتح الثلاجة الساعة الثانية فجرا رغم أنها كانت نائمة. وتعرف أن قطعة الحلوى الناقصة لم تأكلها القطة. وتعرف أن الريموت المختفي موجود تحت الوسادة الثالثة في الغرفة المجاورة. بل وتعرف أن ابنها يكذب قبل أن يكتشف هو نفسه أنه يكذب.
العلم الحديث استطاع أن يرسل مركبات إلى المريخ، ويصور الثقوب السوداء، ويفك شفرات جينية معقدة، لكنه فشل حتى الآن في تفسير كيف تعرف الأم أن ابنها خرج من البيت دون أن يرتب سريره.
بعض العلماء يعتقدون أن الأمر متعلق بالحدس. وبعضهم يعتقد أنه مرتبط بغريزة الأمومة.
أما أنا فأرجح وجود أقمار صناعية سرية تدور فوق البيوت المصرية منذ آلاف السنين. وإلا فكيف عرفت أمي وأنا طفل أنني كنت ألعب الكرة في الشارع بينما كنت أؤكد لها أنني كنت أذاكر؟ بل كيف عرفت أنني لم أفتح الكتاب أصلا رغم أن الكتاب كان مفتوحا أمامي منذ ساعتين؟
كانت تنظر إلي نظرة قصيرة ثم تقول: إنت ما ذاكرتش. فأرد بثقة الخبراء: مين قال؟ فترد في هدوء:
أنا عارفة. هذه الجملة وحدها كانت كافية لنسف أي خطة دفاعية. لأن كلمة عارفة عند الأم ليست رأيا. إنها نتيجة تحقيقات استمرت شهورا.
ولعل أعجب ما في الأمر أن الأم لا تحتاج إلى أدلة. الأدلة تأتي لاحقا احتراما لوجهة نظر الأبناء فقط. أما الحقيقة فهي تكون مستقرة في ذهنها منذ البداية. فإذا اختفى القلم، عرفت من أخذه. وإذا انكسر الكوب، عرفت من كسره. وإذا انقطعت الكهرباء في الحي كله، فهناك احتمال معقول أن تكون الأم تعرف المتسبب أيضا.
والأغرب أن الأبناء يكررون الخطأ نفسه عبر الأجيال. في كل مرة يظنون أنهم أذكى. وفي كل مرة ينتهون أمام السؤال نفسه: وإن جيت جبتهولك؟! وهو السؤال الذي أسقط إمبراطوريات كاملة من الأكاذيب الصغيرة.
سؤال لا يحتاج إلى محام. ولا إلى شهود. ولا إلى اعترافات.. يكفي أن يطرح حتى ينهار المتهم تلقائيا ويقول: خلاص يا ماما.. هو عندي. وعندها تبتسم الأم ابتسامة المنتصر الذي كان يعرف الحقيقة منذ البداية. فالأمهات، يا سادة، لا يعرفن كل شيء لأنهن يفتشن أكثر منا. ولا لأنهن أذكى منا دائما. بل لأن الله منحهن تلك القدرة العجيبة على اكتشاف الحقيقة قبل أن نعترف بها نحن أنفسنا.
جرب أن تخبر أمك أنك قد فقدت الشغف. صدقني ستقول لك: وإن جيت جبتهولك؟ ساعتها فقط، ستعثر على شغفك مجددا! ولهذا ظل السؤال المصري العظيم يعيش عبر الأجيال، من عصر الراديو إلى عصر الذكاء الاصطناعي: وإن جيت جبتهولك؟!
وحتى هذه اللحظة.. لم ينتصر عليه أحد.