صراحة مصطفى الفقي!
في حديثه مع الإعلامي مجدي الجلاد، قدّم المفكر والدبلوماسي مصطفى الفقي قراءة هادئة للمشهد المصري، تقوم على الاعتراف بحقيقة لا يمكن إنكارها: أن السياسة الخارجية المصرية نجحت إلى حدٍّ كبير في الحفاظ على قدر من التوازن وسط إقليم شديد الاضطراب.
فمصر تتحرك في محيط جيوسياسي بالغ التعقيد، وأي انحراف حاد في الاتجاه قد يفتح أبوابًا واسعة من المتاعب. ومن ثم فإن الحفاظ على هذا التوازن الخارجي يُعد إنجازًا لا ينبغي التقليل من شأنه.
غير أن هذه الصورة المتوازنة في الخارج تقابلها تحديات ثقيلة في الداخل؛ تحديات تتجسد في اتساع رقعة الفقر، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، وارتفاع الأسعار، إلى جانب شعور متزايد بأن الكفاءات الحقيقية لا تجد دائمًا طريقها إلى المواقع التي تستحقها.
وهي أزمة لا يمكن اختزالها في مرحلة واحدة أو تحميلها لعهد بعينه، بل هي تراكم تاريخي طويل تعود جذوره إلى تحولات كبرى شهدتها الدولة المصرية منذ ما بعد ثورة 23 يوليو 1952 وما تبعها من تغيرات في بنية الإدارة والسياسة والاقتصاد.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: من المسؤول عن هذه التراكمات؟ بل: ماذا ينقصنا اليوم لكي نعيد بوارق الأمل إلى المجتمع، ونمنح المواطن فرصة لالتقاط أنفاسه في مواجهة هذه الضغوط الخانقة؟
أول ما ينقصنا هو إعادة الاعتبار للكفاءة بوصفها معيارًا أصيلًا في إدارة الدولة. فقد عانت الحياة العامة طويلًا من معادلة مختلة تُقدِّم أهل الثقة على أهل الخبرة، وهي معادلة قد توفر قدرًا من الطمأنينة السياسية على المدى القصير، لكنها تدفع ثمنًا باهظًا على المدى البعيد.
فالدول لا تنهض إلا حين تتقدم العقول القادرة والخبرات المتراكمة إلى مواقع القرار، وحين يشعر المجتمع بأن الطريق إلى المسؤولية يمر عبر الجدارة لا عبر العلاقات.
وثاني ما نحتاج إليه هو تجديد النخبة العامة؛ فالمجتمعات الحية لا تعيش بنخبة ثابتة لعقود طويلة، بل تتجدد دماؤها باستمرار عبر صعود أجيال جديدة تحمل رؤى مختلفة وخبرات متنوعة. إن تجريف الكفاءات أو تهميشها لا يؤدي فقط إلى ضعف الأداء، بل يخلق أيضًا حالة من الإحباط العام، إذ يشعر كثير من أصحاب القدرة بأن المجتمع لا يمنحهم الفرصة التي يستحقونها.
أما الأمر الثالث فيتعلق بضرورة إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مجتمع. وحين يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن معاناته اليومية تجد صدى في سياسات الحكومة وقراراتها، يصبح أكثر استعدادًا لتحمل الصعوبات والمشاركة في مواجهة التحديات. أما حين تتسع المسافة بين السلطة والمجتمع، فإن الشعور بالضيق يتضاعف حتى لو كانت النيات حسنة.
ولعل من المفيد هنا أن نتذكر أن التاريخ المصري ــ حتى في مراحله الصعبة ــ لم يخلُ من ومضات مضيئة. فقد وقف النائب البرلماني الشافعي أبو وافية يومًا تحت قبة البرلمان معترضًا على تخصيص أموال لشراء لوازم للقصر الملكي، فاستجاب المجلس لاعتراضه دون أن يُقمع أو يُقصى.
كما رفع الأديب الكبير عباس محمود العقاد صوته دفاعًا عن الدستور، قائلًا إن الأمة قادرة على تحطيم أي رأس إذا تعرض للدستور، ودفع ثمن موقفه سجنًا، لكنه ترك مثالًا على أن قوة المجتمع تكمن في حيوية ضميره وقدرته على الدفاع عن قيمه.
هذه النماذج لا ينبغي استدعاؤها من باب الحنين إلى الماضي، بل من باب التذكير بأن المجتمع المصري يمتلك في داخله طاقات أخلاقية وسياسية هائلة. وما ينقصه اليوم ليس اختراع فضائل جديدة، بل استعادة تلك الروح التي تجعل الكفاءة قيمة، والنزاهة فضيلة، والمصلحة العامة معيارًا أعلى من المصالح الضيقة.
إن الخروج من الأزمات الداخلية الخانقة لا يتحقق بقرارات اقتصادية فقط، مهما تكن أهميتها، بل يحتاج أيضًا إلى إصلاح في الثقافة السياسية والإدارية معًا. يحتاج إلى دولة تعطي الأمل، وإلى مجتمع يشعر بأن مستقبله لا يُدار خلف الأبواب المغلقة، بل يُصنع بمشاركة أبنائه.
حينها فقط يمكن أن تعود بوارق الأمل من جديد، لا كذكرى من زمن مضى، بل كحقيقة يعيشها الناس في حياتهم اليومية. وحين يجد المواطن أن جهده يثمر، وأن العدالة ليست شعارًا بل ممارسة، وأن الكفاءة طريق مفتوح لا باب مغلق، عندها فقط يستطيع المجتمع أن يتنفس الصعداء، وأن يتحول من مجتمع يطارد الأزمات إلى مجتمع يصنع المستقبل.