فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الأخلاق معيار بقاء الأمم

المتدبر في كتاب الله الحكيم، يرى على طول سياق القصص القرآني، أن القرآن الكريم جعل من الأخلاق معيارًا لبقاء الأمم، إذ أن الحضارات العتيقة، والإمبراطوريات الكبرى على طول التاريخ، دومًا ما تبدأ صغيرة ضعيفة فلا تملك سوى الأخلاق والقيم والسلام سلاحا يحميها غوائل الدهر.. 

 

فإذا بتلك الفضائل الإنسانية تصنع من تلك الأمم الضعيفة إمبراطوريات قوية، يتمدد سلطانها يوما بعد يوم على الأرض، وتتوسع حضارتها في شتى مناحي الحياة، فإذا ما طال بتلك الأمم التي صارت إمبراطوريات قوية.. إذا ما طال بها الزمان أصابها سُعار البطش والزهو والاغترار بالقوة، حين تستشعر أن الأخلاق والقيم والمبادئ باتت عبئًا عليها وقيدًا يكبل حركتها تحو التمدد والتوشع..

وهو ما نراه في عالمنا اليوم، قوى عالمية "أمريكا والغرب الأوروبي" يفرضون رؤيتهم وثقافتهم وقيمهم وسلوكهم علي العالم، لا لأنها رؤية وثقافة عالمية وإنسانية، بل لأنها رؤية وثقافة القوي الذي يفرض على الآخرين نمط حياته، ومنطقه في التفكير، يفرضه علي الآخرين وفق قانون القوة الذي يحكم عالمنا اليوم.. 

 

وحين تسود شريعة الغاب تتردى الأخلاق، وتتهاوى المبادئ، وتنهار المجتمعات من داخلها فتسقط تلك القوى التي تخلت عن الأخلاق وهي في أوج وعز قوتها وجبروتها.. تسقط تلك الإمبراطوريات مهما كانت عظمة وعلو ما وصلت إليه من علم ومعرفة وتقدم.. 


هذا ما قاله القرآن الكريم "الأخلاق معيار بقاء الأمم"، وما نشهده في عالمنا اليوم لم يكن جديدًا في تاريخ البشرية، فقد حكى لنا القرآن الكريم من نبأ الأمم في سالف تاريخ البشرية، تلك التي تخلت عن الأخلاق وهي في أوج عظمتها وقوتها، إذ كانت مشابهة لقراصنة الغرب الأوروبي وقرصانهم الكبير الأمريكي، إنهم قوم عاد وثمود.. إذ أخبرنا القرآن الكريم عن تخلفهما الأخلاقي رغم تقدمهما العمراني والعسكري.


وفي إشارة من الله إلى جبروت قوم عاد في عمرانهم وقوّتهم المادية قال سبحانه: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ) (الشعراء: 112)، وعن قوتهم العسكرية والقتالية قال تعالى: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) (الشعراء: 130)، وفي شأن من شابههم من قوم عاد قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) (فصلت: 15)..  

 

وفي إشارة للقرآن الكريم إلي ذروة ما بلغته عاد من تقدم في شتى الميادين، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. اِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَاد)، وفى وصف ذكاء عاد وثمود ونفاذ بصيرتهما العلمية قال تعالى: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَاد. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد) (الفجر: 6 إلي 11).. وقال سبحانه ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) (الشعراء: 14).. وقال تعالى ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (العنكبوت 38).

 

تلك هي إشارات القرآن الكريم لقوم عاد وثمود ومن لحق بهما، ومن سلك دربهما علي طول الزمان، إذ كانوا عراة من الأخلاق والرحمة والمبادئ رغم تفوقهم العمراني والعسكرى، فكم مِن أممٍ بلغت الذروةَ في التقدم والعلم والإعمار والبناء والقوة العسكرية، ولكنها تجبرت وطغت وتهاوت أخلاقها، وكان ذلك إيذانا بسقوطها، وسقوط حضارتها العمرانية العظيمة مُنهارةً إلى الأبد جراء فساد أخلاقها..

ليقف القرآن هنا بقصصه الرائع ليعلم الإنسانية الدرس، بسم الله الرحمن الرحيم: ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الروم: 9) صدق الله العظيم