موسى النبي والخضر!
وقف نبي الله موسى خطيبًا في بني إسرائيل.. يذكرهم بأيام الله، وبنعمائه عليهم، وبآياته وملكوته في العلياء.. وانشدَّت الآذان إصغاءً، لتسرى نحوها العبارات دفاقةً حارةً، والجمع الغفير من قومه قد استبدهم السكون والإنصات سماعًا، بعدما نال الخشوع منهم مناله الذي ارتضى، وسرى الإعجاب في النفوس مآله الذي اقتضى، من فرط وجاهة الخطاب، وروعة المقال، وسديد الكلمات، تلك التي استوعظهم بها موسى النبي..
ففاضت العيون دمعًا.. ورقت القلوب صفاءً.. وسكنت الأنفس رضاءً.. في ساعة هزت ثبات الجاحدين.. واضطربت معها عقول المعاندين.. والتأمت فيها نفوس القوم من بني إسرائيل، حول موعظة المواعظ.. فوضعت بديع عبارات موسى النبي حشد المنصتين على طريق الهداية والرشاد.
ولما انتهى موسى من مقامه، تعلق بثيابه رجلٌ، وكأن الإرادة الإلهية قد أرسلته لموسى لأمر له ما بعده.. فقال الرجل لموسى: يا نبى الله، هل في الأرض من هو أعلم منك؟ قال موسى: لا.. قالها موسى وقد استيقنت نفسه أن لا نبي في زمانه سواه.. فهل يكون للعلم بابٌ من دون النبوة؟
لم يدرك موسى ساعة سؤاله الرجل، أن للعلم أبوابًا أخرى من غير النبوة.. قال موسى: لا. مستيقنًا بها؛ أوليس هو صاحب العصا التي التقمت حبال السحرة، يوم أطلقهم فرعون لإسكات دعوته لبني إسرائيل، فبطل السحرُ لمَّا آمن السحرة برب موسى.. قال موسى، لا، مستيقنًا بها: أليس هو من قهر فرعون ولأجله انشق البحر في لحظات موت كادت تنتهى فيها أمة؟ قال موسى، لا، مستيقنًا: أليس الله قد زاده شرفًا بتوراة كانت كتاب هدى للعالمين، فأي غاية أبعد منها غاية! وأى شرف أسمى منه شرفًا!.
واختفى السائل وترك النبي موسى عليه السلام في حال تأمل وتدبر، بل وحيرة، وكأنها المراجعة الخجولة في النفس، حين تنزع للتردد، وللحظات تريث يدور السؤال في نفس النبي، وهل هناك من هو أعلم منى وقد كلَّمنى الله تكليما في الوادى المقدس طوى، ما لم يحظ بها نبي سواي..
ويأبى الله أن يكون علمه حبيس أدراج النبوة، يأبى الله أن يكون علمه رهين نفس ولو كانت نفس نبي أوحاها للبشرية لتسعد، يأبى الله أن يكون علمه دفين عقل ولو كان عقل من استوعب أمره.. فلا يغادر موسى موطنه الذي غادرته حشود المستمعين لموعظته، وغادره أيضًا السائل الذى فجَّر القضية في جوف النبى، ولا يغادر موسى موطنه ذاك وإذا بوحي الإله يأتيه، ليعلمه الدرس والعظة الربانية..
قائلة له: (إن العلم أعظم من أن يحويه رجل، أو ينفرد به رسول، وفي الأرض من قد خصصتهم بعلم أوفر من علمك، ونصيب من الإلهام أعظم من نصيبك) فاندهش النبى وتعجب فسأل ربه (يا ربِ أين مكانه لعلى ألقاه فأصيب قبسًا من علمه، أو فيضًا من إلهامه ؟) فدله رب العالمين على مكانه عند مجمع البحرين..
إنه العبد الصالح ـ الخضرـ فسار إليه موسى النبى عليه السلام، مصطحبا معه ـ يوشع بن نون- صفيه وساعده الأيمن.. بسم الله الرحمن الرحيم ( فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ـ قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ـ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ـ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ـ قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) صدق الله العظيم.

