حقيقة التصوف وجوهره
هي زاوية هامة تعرض جانبًا للتصوف الإسلامي، إذ يطل علينا من خلالها في هيئة مُعلم لعلم النفس قبل أن يُولد علم النفس بقرون عديدة، حين نراه في عملية معقدة بغية كشف أغوار النفس البشرية، قبل أن يبزغ فجر علم النفس ذاك الذي نعرف أبواب بحثه وعناوينه، تلك التي استقرت ركيزة ضمن مواد العلوم الإنسانية..
وتبدأ حكايتنا في هذا المقام بهذا القرن المضطرب كما سماه التاريخ، القرن الثالث الهجري الذي احتوى بين مراحله صنوف المتناقضات الفكرية، والاضرابات السياسية التي اجتاحت أرض الخلافة العباسية، إذ خيمت على العالم الإسلامي سحابة قاتمة فانتشرت حركات التمرد وكثرت المؤامرات من الأعاجم على سلاطين العرب.
فظهرت حركة البابكية الخرمية، والقرامطة، واندلعت ثورة الزنج في عهد المأمون 201 هـ، وتوالت موجات شديد من التمرد مستهدفة أطراف الخلافة العباسية.. ولم تقتصر الفوضى التى عمت القرن الثالث الهجري على الجانب السياسي، بل تخطته فطالت الجانب الثقافي الديني، بغية التشويش على عقيدة المسلمين، موطن عزتهم، فكان الصراع مريرًا بين الحنابلة والمعتزلة، رغم أن هذا العصر، كان من أكثر عصور الإسلام نشاطا في التشريع، وأكثرهم عددًا للفقهاء المجتهدين عن غيره من العصور.
وفي هذا القرن تحولت عملية جمع الحديث الشريف وروايته، تحولت من جمع يهدف لخدمة علوم الأحكام، كما كان الحال أيام القرن الثاني الهجري، ليصبح في هذا القرن -الثالث هجري- علمًا مستقلا بأصوله وقواعده..
فشهد هذا القرن ظهور كتب الحديث والمسانيد، ومنها الكتب الستة:
= الجامع الصحيح للبخارى.. المتوفى 256 هـ
= صحيح الإمام مسلم.. المتوفى 261 هـ
= سنن أبى داود.. المتوفى 275 هـ
= جامع الترمذى.. المتوفى 279 هـ
= سنن النسائي.. المتوفى 303 هـ
= سنن ابن ماجة.. المتوفى 273 هـ
وفي هذا القرن -الثالث هجري- كثرت الفرق الإسلامية وكذا المذاهب، إلى حد وصولها إلى سبعين فرقة، وفي ظل تلك الأجواء المضطربة شخص إلى الدنيا التصوف الإسلامي في صورة خطاب ديني يُخرج الأمة الإسلامية من أتون الاضطراب الفكري الذي انتابها..
فتوجه التصوف ناحية التدبر والتفكر في أغوار النفس البشرية، وما يعتريها من أمراض أخذتها ناحية الشطط والغلو حينا، والتفريط والتحلل حينا آخر.
فكانت تلك محطة محورية نوعية مرت على العالم الإسلامي، وكان رواد الإنقاذ والخروج من المأزق في هذا القرن هم الصوفية، حملة الفكر الإسلامي السامي، والذي تصدى لحالة الضياع والتردي في جولة حاسمة، ارتقى فيها الفكر الإسلامي مرتقا صعبا، إذ قدم للأمة وللبشرية مفهوما ناضجًا عن النفس الإنسانية، حين قدم الفكر الصوفي طرحًا إسلاميًا أزال فيه عنت ما يلقى العبد وهو يتقرب إلى ربه..
إذ أوجد اللذة في الطاعة.. والسكينة ساعة البلاء.. والخشوع حين التضرع.. فأخرج بذلك العبادات من طور التأدية اللازمة، لطور التأدية الناهية للشقاء والجالبة للسعادة.
فاستطاع الفكر الصوفي أن يقدم للبشرية صيغة واضحة فيها تتناغم العلاقة الطبيعية بين النفس والعقل والروح، بعد أن أزال الالتباس في التصور لدى المفكرين والفلاسفة..
من هنا خط التصوف لبنات هامة كانت كما القواعد التي بنى عليها الغرب الأوروبي بعد عشرة قرون ما يُعرف الآن بعلم النفس، حينما انتقلت إليه القواعد المُحكمة في ضبط سلوك النفس، والعقل، والروح، ومن ثمَّ نسج على منوالها.
نعم علم النفس الذي بيننا الآن ليس سوى ثمرة جهود الفكر الصوفي في القرن الثالث هجري.. إذ كان علماء التصوف في هذا القرن عباقرة التحليل النفسي الذي اتسم بعلو الدقة، وعمق النظر في خبايا النفس البشرية، ويتصدر هؤلاء الإمام الصوفي الحجة (المحاسبي) المتوفى سنة 243 هـ (857 م).
صاحب كتاب "الوصايا، وكتاب الرعاية لحقوق الله، وكتاب السائل فى أعمال القلوب".. ومن أهم مؤلفاته "كتاب المعرفة" و"رسالة المسترشدين"..
و(الحكيم الترمذي) المتوفى 320هـ/ 932م، وأبرز مؤلفاته كتاب "علل العبودية"، وفيه أنزل على الفرائض الشرعية العلة العقلية ما جعلها ذات دلالة منطقية.. ومن مؤلفات الحكيم الترمذي كذلك "نوادر الأصول" و"الأكياس والمغترين" و"الحقيقة الآدمية" و"بيان الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد" و"اللب" و"العقل والهوى" و"علل الشريعة" و"رياضة النفس".
و (الإمام التستري) صاحب كتاب "رقائق المحبين" المتوفى سنة 283 هـ، و(الإمام القشيري) صاحب كتاب "لطائف الإشارات"، و(أبو طالب المكي) صاحب كتاب "قوت القلوب"، و(الإمام الهجويري) صاحب كتاب "كشف المحجوب"، و(أبو نعيم الأصبهاني) صاحب كتاب "حلية الأولياء".
والمحاسبي والترمذي والتستري، هم ألمع صوفية القرن الثالث الهجري، أصحاب وجهة التحليل النفسي، فقد كانوا أطباء نفوس عظام، وقفوا على حقيقة فى النفس مؤداها -أن النفس قاعدة السوء، ونبع الشر، ومصدر الكبر والعُجب، والحسد، والغضب، والحقد، وكل الرذائل-.
ولم يقتصر الفكر الصوفي، ذاك الذى نبغ في القرن الثالث الهجري على المعرفة الدقيقة للعقل والقلب والنفس، بل سبر أغوار أفرع مكونات النفس من (خواطر ـ وهواجس ـ وغرائز) وقبل كارل يونج ـ مؤسس علم النفس التحليلي (1875 - 1961م) ـ بعشرة قرون، تحدث التستري عن ـ اللاشعور الجمعي أو الكلي، وسماه التستري "كلية القلب، أو سويداء القلب، أو جمهور القلب".
والترمذى سبق سيغموند فرويد (1856 – 1939م ) بعشرة قرون، حين تحدث قبل فرويد عن نظرية الثنائية ـ الحياة والموت ـ وأثر هذه النظرية على التعاطى مع الواقع المُعاش.. وسبق صوفية القرن الثالث الهجري ـ كارل يونج ـ أيضا حين أكدوا أن الدين علاجٌ نفسىٌ أكيد، لأنه الوحيد الذى يُمكّن الإنسان من تغيير نفسه، وتجديدها وإصلاحها.
وقد تعرض الفكر الصوفي لحملات خبيثة، حين دسوا الدراويش بين صفوف التصوف، لتبرز الصوفية بمظهر على غير هيئتها، التى تعني بصلاح جوهر الإنسان من داخله.. واتهام الصوفية بالجملة لهو الشطط والإنحراف بعينه، فالصوفية يملكون قدرات نفسية هائلة، ولا يعيبهم ظهور بعض الأدعياء بينهم، فما خلا قومٌ من الأدعياء، ممن يسيئون لأقوامهم..
وعلى الأمة ألا تغفل وتنسى ما قدمه صوفية القرن الثالث الهجري، من دراسات نفسية جادة وليدة إلهامهم، كانت بحق إرهاصة وقاعدة، ارتكز عليها علم النفس، حين شب للوجود.
لقد كان القرن الثالث الهجري قرنا يمثل التصوف الإسلامي في أعلى نضجه، حيث ضم رعيلًا هائلًا من أبرز متصوفة الإسلام.. فأعملوا العقل على ضوء صريح النص، وأخرجوا المعنى من جوف الثوابت، ووضعوا الدراسة النفسية وفق الخطاب الكلي للدين..
فانجلى علمٌ سرقه الغرب وسمَّاه علم النفس، وهو في الأصل علم أسرار النفس البشرية، تلك التي أومأ إليها القرآن، فلمحتها الصوفية لمَّا قدمت للمسلمين خافيا كاد يغيب عنها، لولا التدبر والتأمل ما كان ليصل إلينا، وهم أهلٌ للتدبر، والتأمل، فجزاهم الله عن أمتهم خير الجزاء.. ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير.
