المسئول والمواطن.. ومنسوب الأمل!
مع انطلاق عامٍ جديد، يتجدد الأمل -أو هكذا ينبغي- أن تتغير أحوالنا إلى الأفضل، وأن تضاعف الحكومة جهودها لرفع منسوب الأمل في الشارع، عبر سرعة الاستجابة لمطالب الناس، وتذليل الصعاب، وتخفيف الأعباء التي أثقلت كاهلهم حتى باتت تفاصيل الحياة اليومية عبئًا ثقيلًا تنوء بحمله الجبال.
فالناس لا تطلب المستحيل، ولا تنتظر معجزات، بقدر ما تنتظر أفعالًا بسيطة لكنها صادقة، تمس واقعهم المباشر. أتذكر ذات يوم أنني طلبت من وزير التنمية المحلية الأسبق الدكتور أحمد زكي بدر -وكانت تجمعنا من آن لآخر جلسات ودّية- أن يعقد اجتماعًا عاجلًا مع رؤساء الأحياء، ويوجههم بردم الحفر التي تملأ شوارعنا وتنهك السيارات وتستنزف أعصاب المواطنين.
طلبٌ بسيط، لا يحتاج إلى خطط خمسية ولا إلى قروض دولية، ومع ذلك.. لم يتغير شيء حتى الآن. الحفر باقية، والمعاناة مستمرة، وكأن ما يُقال في الغرف المغلقة لا يجد طريقه أبدًا إلى أرض الواقع.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين تتعثر الحلقة؟ أفي القرار؟ أم في التنفيذ؟ أم في غياب المتابعة والمحاسبة؟ إن أخطر ما يواجه الإدارة المحلية -بل والإدارة العامة- ليس نقص الأفكار، بل الفجوة الواسعة بين ما يُقال وما يُفعل، وبين ما يشعر به المسؤول وما يعيشه المواطن.
ومن هنا، يصبح لزامًا أن يتحلى المسؤول -أيّ مسؤول- بالحكمة، لا في القرارات فقط، بل في التصريحات أيضًا. فالكلمة اليوم لم تعد عابرة، والتصريح لم يعد خبرًا عاديًا، بل أصبح فعلًا سياسيًا واجتماعيًا له أثره المباشر في الشارع.
على المسؤول أن يخرج للناس ويتحدث إليهم دون إبطاء، بوضوح لا لبس فيه، وبصدق لا مواربة فيه، دون إفراط في الوعود، ودون اللجوء إلى الألغاز والمصطلحات المطاطة التي تزيد الغموض ولا تبدد القلق.
كما أن على الحكومة أن تعي جيدًا أن ما يخرج إلى الإعلام ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا أساسيًا في إدارة الأزمات وبناء الثقة. فدراسة الرسائل الإعلامية، وكيف تُقال، ومتى تُقال، ولمن تُقال، لم تعد ترفًا، بل ضرورة. والتحسب لردود الأفعال في كل موقف أصبح جزءًا من حسن الإدارة، لا علامة ضعف كما يتصور البعض.
إن الشارع اليوم أكثر وعيًا، وأكثر حساسية، وأقل صبرًا. والناس تقيس صدق الحكومات بمدى اقترابها من همومهم اليومية، لا بعدد المؤتمرات ولا بزخم التصريحات. ردم حفرة في شارع قد يبعث برسالة أمل أصدق من عشرات الخطب الرنانة، وحل مشكلة محلية صغيرة قد يعيد قدرًا من الثقة افتقدها المواطن منذ زمن.
عام جديد.. وأمل متجدد. لكن الأمل وحده لا يكفي، ما لم يسنده فعل، وما لم تُترجم الكلمات إلى قرارات تُنفذ، ووعود تُحترم، ومسؤولية تُحاسب. عندها فقط يمكن أن يشعر الناس أن هذا العام مختلف فعلًا، لا مجرد رقم جديد في التقويم.
وأخيرا.. هل هناك ما يمنع أن يقوم كل من وزيري الإسكان الذي تتبعه المدن الجديدة.. والتنمية المحلية الذي تتبعه الأحياء بعقد اجتماعات مع رؤساء أجهزة المدن الجديدة ورؤساء الأحياء لوضع حد لمشكلات الحفر بالشوارع.. وانسداد بالوعات تصريف الأمطار. ورفع المخلفات وغيرها من المهمات لتيسير حياة الناس؟!