إيران تغيّر قواعد اللعبة في مضيق هرمز
يشهد مضيق هرمز منذ أشهر حالة من التحول التدريجي من كونه مجرد ممر ملاحي استراتيجي إلى ساحة لإعادة تعريف موازين القوة والسيادة البحرية في الشرق الأوسط. وفي قلب هذا التحول، تحاول إيران تطوير نموذج جديد لإدارة الأزمة مع الولايات المتحدة، يقوم على التكيف مع الضغوط بدلًا من مواجهتها بصورة تقليدية مباشرة.
فطهران لم تعد تعتمد فقط على خطاب إغلاق المضيق الذي وسم أزماتها السابقة مع الغرب، بل باتت تتجه نحو مقاربة أكثر تعقيدًا تقوم على توظيف القانون والإدارة والاقتصاد إلى جانب الردع العسكري.
ويعكس هذا التحول إدراكًا إيرانيًا متزايدًا بأن البيئة الدولية تغيّرت بصورة كبيرة مقارنة بالعقدين الماضيين. فالعقوبات الأمريكية، رغم قسوتها، لم تنجح في عزل إيران بالكامل، كما أن النظام الدولي نفسه أصبح أقل قدرة على فرض اصطفافات حادة ومستقرة، خصوصًا مع تنامي أدوار الصين والهند وروسيا والقوى الآسيوية الصاعدة.
ولذلك، يبدو أن طهران تحاول استثمار هذا التحول العالمي لبناء مساحة حركة أوسع، تسمح لها بالبقاء داخل الاقتصاد الدولي ولو بصورة جزئية وغير رسمية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم التحركات الإيرانية في مضيق هرمز باعتبارها مجرد تصعيد أمني، بل باعتبارها جزءًا من استراتيجية التكيّف الجيوسياسي التي طورتها إيران خلال سنوات العقوبات الطويلة، فبدلًا من الدخول في مواجهة شاملة يصعب تحمل كلفتها، تسعى طهران إلى فرض واقع تدريجي يجعل المجتمع الدولي يتعامل معها بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أمن الملاحة والطاقة الإقليمية.
وتدرك إيران أن مضيق هرمز يمثل نقطة حساسة للاقتصاد العالمي؛ إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يوميًا، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ولذلك، فإن مجرد التلويح بإعادة تنظيم المرور أو فرض ترتيبات أمنية جديدة كفيل بإثارة قلق الأسواق العالمية وشركات التأمين والنقل البحري، حتى دون الوصول إلى مرحلة الإغلاق الكامل. وهنا تحديدًا تكمن أهمية المقاربة الإيرانية الجديدة؛ فهي تقوم على إدارة اللايقين أكثر من إدارة الحرب نفسها.
كما أن طهران تبدو واعية بأن استخدام القوة العسكرية بصورة مباشرة لم يعد كافيًا لتحقيق النفوذ السياسي المستدام. ولهذا، تتجه نحو بناء أدوات أكثر مرونة وأقل صدامية، مثل فرض ترتيبات إدارية، أو توسيع أنظمة الرقابة البحرية، أو تقديم نفسها كجهة مسؤولة عن تنظيم الأمن الملاحي. وهذه اللغة ليست موجهة للداخل الإيراني فقط، بل أيضًا للمجتمع الدولي، وخاصة القوى الآسيوية التي تعتمد بصورة كبيرة على استقرار تدفقات الطاقة الخليجية.
ويبرز هنا البعد الصيني بوصفه عنصرًا محوريًا في الحسابات الإيرانية. فبكين التي أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، لا ترغب في حدوث مواجهة شاملة في الخليج قد تهدد إمدادات الطاقة أو ترفع أسعارها بصورة حادة.
وفي المقابل، تدرك طهران أن الحفاظ على الشراكة مع الصين يتطلب تقديم سلوك أقل اندفاعًا وأكثر قابلية للتسويق دوليًا. ولذلك، تحاول إعادة صياغة خطابها البحري من منطق الإغلاق والتهديد إلى منطق الإدارة والسيادة والتنظيم.
وكانت إيران قد نجحت خلال السنوات الأخيرة في تطوير شبكات واسعة للالتفاف على العقوبات الأمريكية، شملت أنظمة شحن موازية، ووسطاء تجاريين، وتغيير هويات السفن، والتوسع في استخدام العملات المحلية والمقايضة. كما حافظت على تدفق صادراتها النفطية بمعدلات تفوق التوقعات الغربية، مستفيدة من الطلب الصيني والمرونة التي يوفرها الاقتصاد غير الرسمي العالمي.
وهو ما عزز قناعة القيادة الإيرانية بأن سياسة الصمود المرن أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة.
لكن في الوقت نفسه، لا يعني هذا أن إيران باتت في موقع مريح، فالضغوط الاقتصادية الداخلية ما تزال شديدة، والتضخم وتراجع العملة وارتفاع كلفة العقوبات يفرضون تحديات حقيقية على النظام الإيراني. ولهذا، تبدو التحركات في مضيق هرمز أيضًا محاولة لإعادة إنتاج النفوذ الإقليمي كوسيلة لتعويض الضغوط الداخلية، وإظهار أن إيران ما تزال قادرة على التأثير في معادلات الطاقة والأمن العالمي.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها بقلق متزايد إلى هذه المقاربة الإيرانية، ليس فقط بسبب آثارها الأمنية، بل لأنها قد تؤسس لنمط جديد من إدارة الممرات البحرية يقوم على السيادة المشروطة بدلًا من حرية الملاحة التقليدية. وإذا نجحت إيران في ترسيخ جزء من هذا النموذج، ولو بصورة غير رسمية، فقد يشجع ذلك قوى إقليمية أخرى على محاولة إعادة تعريف قواعد السيطرة على الممرات الاستراتيجية حول العالم.
ولهذا، تبدو الأزمة الحالية في هرمز أوسع من مجرد خلاف حول الملاحة أو العقوبات؛ إنها تعكس صراعًا أعمق حول شكل النظام الدولي نفسه وحدود النفوذ الأمريكي وحق الدول الإقليمية في استخدام الجغرافيا كورقة قوة سياسية واقتصادية.
ومن هنا، فإن التحركات الإيرانية لا يمكن قراءتها فقط كخطوات تكتيكية ظرفية، بل كجزء من محاولة طويلة المدى لإعادة تموضع إيران داخل النظام الإقليمي والدولي، عبر المزج بين الردع والبراغماتية والتكيّف الاستراتيجي
