تفكيك تمويل الصفقات العسكرية الأمريكية
من يدفع ثمن سلاح إسرائيل؟
تمثل العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل أحد أكثر أوجه التحالف الاستراتيجي بين البلدين رسوخًا منذ عقود. غير أن طبيعة صفقات السلاح بين الطرفين، خاصة في السنوات الأخيرة، أصبحت موضع نقاش متزايد داخل الأوساط السياسية الأمريكية..
فبينما يتم تقديم هذه الصفقات رسميًا باعتبارها مبيعات عسكرية، تشير البيانات الفعلية إلى أن الجزء الأكبر من تكلفتها لا تتحمله إسرائيل، بل يتم تمويله عبر برامج المساعدات العسكرية الأمريكية، أي من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة.
وقد عاد هذا الجدل إلى الواجهة بعد اعتراض عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي على صفقة قنابل لإسرائيل بقيمة 659 مليون دولار تتضمن تزويدها بنحو 22 ألف قنبلة، وهي صفقة وافقت عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب. ويجادل المنتقدون بأن هذه الصفقات لا تمثل معاملات تجارية حقيقية، بل هي في الواقع إعانات عسكرية مقنَّعة في صورة مبيعات.
ما سبق يفرض علينا التركيز في هذا المقال على فحص طبيعة التمويل الفعلي لصفقات السلاح الأمريكية لإسرائيل، وتحليل أبعادها الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى تأثيرها على النقاش الجاري بالولايات الولايات المتحدة حول دور المساعدات العسكرية في السياسة الخارجية الأمريكية.
بداية، وفيما يخص طبيعة صفقات السلاح الأمريكية لإسرائيل، يلاحظ أنه على المستوى الرسمي، تُدرج صفقات السلاح الأمريكية لإسرائيل ضمن إطار المبيعات العسكرية الخارجية. أو المبيعات التجارية المباشرة.
لكن الواقع يكشف أن هذا التصنيف لا يعكس بالضرورة مصدر التمويل الحقيقي لهذه الصفقات، فغالبية هذه الصفقات تعتمد على برنامج التمويل العسكري الخارجي (FMF)، وهو برنامج مساعدات عسكرية أمريكي تحصل إسرائيل من خلاله على ما لا يقل عن 3.3 مليار دولار سنويًا لشراء الأسلحة الأمريكية.
وبهذا المعنى، فإن الولايات المتحدة لا تبيع الأسلحة لإسرائيل بالمعنى التقليدي، بل توفر لها التمويل اللازم لشراء هذه الأسلحة من الشركات الأمريكية.
وقد أظهرت إخطارات صفقات السلاح المنشورة في السجل الفيدرالي الأمريكي أن الحكومة الإسرائيلية تظهر في خانة المشتري المحتمل، بينما يظهر برنامج التمويل العسكري الخارجي في خانة مصدر التمويل، ما يعني أن التمويل يأتي فعليًا من الميزانية الأمريكية.
وتشمل هذه الصفقات الحديثة معدات عسكرية متنوعة مثل ناقلات الجند المدرعة والمركبات التكتيكية وطائرات الهليكوبتر الهجومية. وبالتالي، فإن وصف هذه العمليات بأنها مبيعات يخفي حقيقة جوهرية مفادها أن دافعي الضرائب الأمريكيين هم من يتحملون التكلفة الأساسية لهذه الأسلحة.
وفيما يخص حجم التمويل الأمريكي الفعلي، تكشف البيانات المتعلقة بصفقات السلاح خلال إدارة الرئيس جو بايدن عن حجم التمويل الأمريكي الكبير لهذه الصفقات؛ فقد بلغ إجمالي صفقات السلاح المصرح بها لإسرائيل بين عامي 2021 و2024 نحو 22 مليار دولار.
ويتوزع هذا المبلغ على نوعين رئيسيين من الصفقات، الأول 13.2 مليار دولار عبر صفقات توسطت فيها الحكومة الأمريكية، والثاني 8.7 مليار دولار عبر صفقات تجارية مباشرة بين الشركات الأمريكية وإسرائيل.
لكن التحليل التفصيلي لمصادر التمويل يشير إلى أن نحو 90% من الصفقات الحكومية كانت ممولة من المساعدات العسكرية الأمريكية، أما الصفقات التجارية، فيُقدَّر أن نحو 68% منها تم تمويلها أيضًا من خلال برنامج التمويل العسكري الخارجي.
ومن خلال هذه المعطيات يبدو أن دافعي الضرائب الأمريكيين موّلوا ما يقرب من 17.8 مليار دولار من إجمالي صفقات السلاح لإسرائيل خلال هذه الفترة، أي ما يعادل 81% من إجمالي قيمة الصفقات. بعبارة أخرى، فإن الجزء الأكبر من هذه المبيعات هو في الواقع دعم مالي أمريكي مباشر للصناعة العسكرية الأمريكية وللقوات المسلحة الإسرائيلية في الوقت نفسه.
بطبيعة الحال لا تخلو هذه المعطيات من جدل دائر تتعالى خلاله الأصوات الناقدة لهذه التوجهات وتداعياتها على صورة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط وحول العالم والتهديد الناجم عن ذلك للمصالح الأمريكية بالخارج فضلا عما في ذلك من خلال بحق دافعي الضرائب.
لكن في المقابل يجادل مؤيدو صفقات السلاح عن استمرارها بحجة أنها تساهم في خلق فرص عمل داخل الولايات المتحدة وتدعم الصناعات الدفاعية الأمريكية. غير أن هذه الحجة تواجه انتقادات متزايدة من قبل بعض الباحثين وصناع القرار، لاسيما وأن البيانات التاريخية تشير إلى أن العلاقة بين الإنفاق العسكري وفرص العمل ليست علاقة مباشرة.
فعلى سبيل المثال، بلغ حجم الميزانية العسكرية الأمريكية عام 1985 نحو 295 مليار دولار، وكان يعمل في صناعة السلاح آنذاك نحو 3 ملايين عامل.
لكن بحلول عام 2021 ارتفعت الميزانية العسكرية إلى ما يعادل 879 مليار دولار بالقيمة الحقيقية، في حين انخفض عدد العاملين في صناعة السلاح إلى نحو 1.1 مليون عامل فقط، الأمر الذي يعني أنه رغم زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 18% فوق معدل التضخم، فإن العمالة في قطاع الصناعات العسكرية انخفضت بنسبة 63%..
وتشير هذه الأرقام إلى أن الإنفاق العسكري ليس وسيلة فعالة لخلق فرص العمل مقارنة بقطاعات اقتصادية أخرى، وهو ما يضعف أحد أهم المبررات الاقتصادية المستخدمة للدفاع عن هذه الصفقات.
بجانب ذلك، لا يقتصر الجدل حول هذه الصفقات على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى البعد السياسي والاستراتيجي داخل الولايات المتحدة. ففي السنوات الأخيرة، بدأ بعض أعضاء الكونغرس، خصوصًا من الحزب الديمقراطي، في طرح تساؤلات حول مدى جدوى استمرار هذا المستوى المرتفع من الدعم العسكري لإسرائيل.
وقد تجلى هذا التوجه في اعتراض عدد من أعضاء مجلس الشيوخ على صفقة القنابل التي تتضمن تزويد إسرائيل بـ 22 ألف قنبلة، حيث اعتبر المعترضون أن هذه الصفقة تأتي في سياق تصعيد عسكري إقليمي وتفاقم الأوضاع الإنسانية في مناطق النزاع.
ومع ذلك، لا يزال الدعم العسكري لإسرائيل يحظى بتأييد واسع داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، خاصة في ظل الاعتبارات الاستراتيجية المرتبطة بأمن إسرائيل ودورها في التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.
رغم هذا الجدل، إلا أنه من غير المرجح أن تشهد السياسة الأمريكية تجاه الدعم العسكري لإسرائيل تغيرًا جذريًا في المدى القريب. فالعلاقةُ الأمنية بين البلدين تقوم على اعتبارات استراتيجية عميقة تشمل التعاون العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي.
ومع ذلك، فإن استمرار النقاش الداخلي حول تكلفة هذه الصفقات وطبيعة تمويلها قد يؤدي إلى زيادة الرقابة السياسية على برامج المساعدات العسكرية في المستقبل. كما أن تصاعد الضغوط داخل الكونغرس قد يدفع بعض الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم آليات التمويل أو فرض شروط إضافية على استخدام المساعدات العسكرية، وإن كان ذلك يخضع بدرجة كبيرة لمدى تأثير نفوذ جماعات الضغط اللوبي الصهيوني على عملية صنع القرار في واشنطن.
وبذلك، فإن الجدل حول صفقات السلاح لا يعكس فقط خلافًا حول سياسات محددة، بل يشير إلى تحول تدريجي في طبيعة النقاش الأمريكي حول دور القوة العسكرية والمساعدات الخارجية في السياسة الدولية.
الغاية أن المعطيات المتعلقة بصفقات السلاح الأمريكية لإسرائيل تكشف أن توصيف هذه العمليات على أنها مبيعات لا يعكس بدقة طبيعتها الفعلية، إذ إن الجزء الأكبر من تمويلها يأتي من برامج المساعدات العسكرية الأمريكية.
وبذلك يتحمل دافعو الضرائب الأمريكيون نسبة كبيرة من تكلفة هذه الصفقات، ومع استمرار الجدل داخل الولايات المتحدة حول جدوى هذه السياسة، يبدو أن قضية تمويل صفقات السلاح ستظل جزءًا مهمًا من النقاش الأوسع حول أولويات الإنفاق العسكري الأمريكي ودور الولايات المتحدة في دعم حلفائها حول العالم.
لكن وبشكل استراتيجي أوسع فإن تغلغل النفوذ الصهيوني في أروقة صنع القرار الأمريكي يرجح استمرار هذه الصفقات حتى وإن تغيرت الإدارة الأمريكية بين الجمهوريين والديمقراطيين.
